علوم العربية مفاتيح فهم الكتاب والسنة

علوم العربية مفاتيح فهم الكتاب والسّنّة

شهد النّصف الأوّل من القرن الهجري الأول فاتحة علوم اللغة العربية؛ فكانت انطلاقة علم النحو على يدي واضعه الإمام أبي الأسود الدؤلي بإشارة من أمير المؤمنين سيّدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه. ثمّ توالت نشأة علوم العربية من صرف، واشتقاق، وفقهِ لغة، وعروضٍ وقوافٍ ورسم أي إملاء،ومعانٍ وبيانٍ وبديعٍ، وهي علوم البلاغة الثلاثة، ثمّ قواعد النّقد الأدبي أو قواعد قرض الشعر وإنشاء النثر، وما رافقها من قواعد الخط العربي، والخطابة وقواعد القراءة التعبيرية العربية.

ويهمّنا في هذا المقام أن نُبيِّن أن علوم العربية الأساسية من نحو وصرف وفقه لغة واشتقاق وبلاغة إنّما وضعها الأئمّة المتقدّمون لأمرين جليلين؛ الأول: الاستعانة بهذه العلوم على فهم كتاب الله وحديث رسوله المصطفى صلّى الله عليه وسلّم، بما يخدم تقرير القواعد الإيمانية والأصول الفقهية، وضوابط تفسير القرءان والحديث. والرّدّ على شبه الذين يخالفون الكتاب والسنة . والثاني: عصمة اللسان العربي من اللحن في الكلام، مفردات وتراكيب، ومعاني ودلالات وأساليب.

ومن هنا يظهر الارتباط الوثيق بين علوم اللغة الغربية وعلوم الشريعة الإسلامية من توحيد وفقهٍ وأصولٍ وتفسيرٍ وحديثٍ وقراءاتٍ… ونورد فيما يلي طائفة من الأمثلة التي يتجلّى فيها بوضوح ذلك الارتباط، حيث يتبن أن أحكام تلك العلوم اللغوية وقواعدها كانت مفاتيح الفهم الصحيح لبعض ما ورد في الكتاب والسنّة، ومغاليق لبعض شبهات أهل الفساد والإنحراف عن الإسلام . وتاليًا تُحرِّك في أصحاب الهمم الاندفاع لتعلم العلوم اللغوية، والتمكن فيها، واكتساب درجات عالية في المهارة اللغوية فيها. فهي إذ ذاك حرزٌ حريز وحصنٌ حصين لمن ألقى السمع وهو مُنيب. وإليك أخي القارئ هذه الأمثلة: 1- الآية: قال الله تعالى (ليس كمثله شيء) سورة الشورى/11.

المعنى الصحيح: الله لا يشبه شيئًا من خلقه، فلا شبيه لله ألبتةَ بوجه من الوجوه، فالآية تفيد استغراق تفي المشابهة بين الله وخلقه، أي شمول ذلك وعمومه بدون أي استثناء.

التوجيه اللغوي: ليس: أداة نفي، فهي فعل جامد يدل على النفي.

الكاف: حرف جر زائد “صلة”، يفيد التأكيد. وزائد أي ليس متعلقًا بحدث ما.

كلمة “شيء” نكرة ليست معرفة وهي أنكر النكرات .

السياق سياق نفي لا إثبات .

النتيجة : كلمة “شىء” جاءت نكرة في سياق النفي، فذلك يفيد العموم والشمول، أي الاستغراق.

العلم اللغوي المفيد لذلك: النحو-والمعاني ” البلاغة”.

2- الآية: قال تعالى ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنّا أعتدْنا للظالمين نارًا أحاط بهم سُرادقها وإن يستغيثوا يُغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا) سورة الكهف/29. المعنى الصحيح: في الآية تهديد عظيم لمن يكفر بالله ويترك الإيمان به تعالى، فمصير الكافرين هو العذاب الأبدي الأليم في نار جهنّم، فيجب على الإنسان أن يؤمن بالله ورسوله، وإلا كان من الهالكين. وليس معنى الآية ألبتة أن المرء مباح له اختيار الكفر وعدم الإيمان.

التوجيه اللغوي: عبارة “فليكفر” اللام فيها لام الأمر الجازمة للمضارع. وظاهر الجملة في سياق الشرط “من شاء” إباحة أن يختار المرء الكفر بدلا من الإيمان، وليس هذا معناه هنا فإنّ دلالة الأمر ليست الطلب. وإنّما الزجر والتهديد.

ودليله أو قرينته: توجد عدة دلائل، منها السياق نفسه، بملاحظة ما جاء بعده من تهديد صريح بالعذاب الأليم لمن يكفر بالله، وتسميتهم بالظالمين، وهذا يناقض الجواز والإباحة ويدل على أن الأمر للتهديد الشديد وليس على ظاهره.

العلم اللغوي المفيد لذلك: النحو- المعاني ” البلاغة”.

3- الآية: قال تعالى (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) سورة الأنفال/30.

المعنى الصحيح: معنى “ويمكر الله” أنّ الله يجازيهم على مكرهم، ويوصل لهم الضرر من حيث لم يحتسبوا، وليس معناه أنّ الله سبحانه يوصف بالمكر، تعالى عن ذلك لأن المكر صفة نقص لا يليق بالله تعالى .

التوجيه اللغوي: الله تعالى قال” ويمكر الله” ولم يقل “ويجازيهم الله”، فالإتيان بلفظ ” ويمكر” هنا كان من باب المقابلة أو المشاكلة للفظ “ويمكرون” فهذه مشاكلة لفظية، أمّا المعنى في حق الله فمختلف عن المعنى في حقّ المخلوق.

العلم اللغوي المفيد لذلك: علم البديع ” البلاغة”.

4- الآية: (الرحمن على العرش استوى) سورة طه/5.

المعنى الصحيح: الله حافظ للعرش وقاهر له ولما دونه من خلقه، وليس معناه أنّ الله جالس أو مستقر على العرش.

التوجيه اللغوي: كلمة “استوى” في لغة العرب لها نحو خمسة عشر معنى، منها ما يليق بالله نحو قهر وحفظ واستولى، ومنها ما لا يليق بالله، نحو جلس واستقر.

فدلالة استوى على معنى قهر واستولى دلالة مجازية ، والسياق يقتضي ذلك: لأن ما قبل هذه الآية يفيد إثبات الخالقية لله تعالى، وما بعدها يفيد أن الله مالك كل شيء في هذا العالم، فلا معنى للجلوس هنا، بل المعنى الموافق للسياق هو معنى الحفظ والقهر وتمام الملك، وهو ما يعرف في البلاغة ب”مراعاة النظير والتناسب”.

العلم اللغوي المفيد لذلك: متن اللغة –فقه اللغة- البديع “البلاغة”- البيان “المجاز” ” البلاغة”.

5- الآية: قال تعالى ( ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربّه) سورة يوسف/24.

المعنى الصحيح: هذا في قصة سيدنا يوسف عليه السلام. والمعنى أن امرأة العزيز همّت بالزنا منه، هي أرادت الفاحشة، أمّا هو فلم يحصل منه همٌّ بالزنا ألبتّة، فهو نبي كريم معصوم من هذه الرذائل، فسيّدنا يوسف عليه السلام ما حصل منه همٌّ بذلك بالمرّة، فلولا أنّه معصوم لحصل منه، لكنه لم يحصل وإليك البيان.

التوجيه اللغوي: لولا أداة شرط، تحتاج إلى جملتين بعدها، الأولى: جملة شرط، والثانية جملة جواب الشرط ” الجزاء” مثلًا يقع كوب من الماء فتمسكه قبل أن يسقط على الأرض، فتعبر عن ذلك بقول: لولا أني أمسكته لوقع على الأرض وانكسر. وتستطيع أن تعبر عن ذلك بطريقة أخرى فتقول: انكسر الكوب لولا أن أمسكته. أي ما انكسر أصلا لأنني أمسكته. وكذلك في الآية: ما حصل همٌّ من سيّدنا يوسف عليه السلام بالزنا لأنّه معصوم من ذلك وهذا من أحسن التفاسير لهذه الآية.

العلم اللغوي المفيد لذلك: علم النحو.