من أحكام الصيام

من أحكام الصيام

الحمد لله الذي يمحو الزلل ويصفح، وكل من لاذ به أنجح، وكل من اتقاه يربح، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وءاله وصحبه ما أمسى المساء وأصبح.

إن من أهم فرائض الإسلام التي فرضها الله على عباده صوم شهر رمضان المبارك لقوله تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} سورة البقرة/183، وقد كان الصيام في الأمم الماضية لقوله تعالى: {كما كتب على الذين من قبلكم}، لكن الله تعالى خص أمة محمد عليه الصلاة والسلام بالصيام في شهر رمضان فقال تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرءان هدى للناس وبينات من الهدى والقرءان} سورة البقرة/185.

والصيام شرعًا هو الإمساك عن المفطرات وعن إدخال كل ما له حجم من منفذ مفتوح إلى الرأس أو البطن من الفجر إلى المغرب، والمنافذ المفتوحة هي القبل والدبر والفم والأنف.

شرائط وجوب الصيام.

الصيام واجب على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصيام، فلا يصح الصيام من الكافر الأصلي ولا من المرتد، ولا يصح من حائض ولا نفساء، ولا يجب على الصبي الذي هو دون البلوغ لكن يجب على وليه أمره بالصوم بعد بلوغ سبع سنين قمرية إن أطاق جسمه وتحمل، ولا يجب الصيام على المجنون ولا على المريض الذي يضره الصوم ولا على العجوز الفاني مخافة التلف والموت، ولا يجب كذلك على المسافر سفرًا طويلًا، لكن المسافر الذي يريد أن يفطر مترخصًا بسفره لا بد أن يكون خروجه من بلده قبل الفجر في مذهب الإمام الشافعي وإلا فليس له الفطر.

فرائض الصوم اثنان.

الأول: النية ومحلها القلب فلا يشترط النطق بها باللسان وهي واجبة لكل يوم من أيام رمضان في ليلة ذلك اليوم أي يجب إيقاعها ما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر من ليلة اليوم التالي لقوله صلى الله عليه وسلم: {من لم يُبيت الصيامَ قبلَ الفجرِ فلا صيامَ له} رواه أحمد، فيقول بقلبه مثلًا: (نويت صيام يوم غد من شهر رمضان)، وعند بعض الفقهاء يكفي أن ينوي ليلة اليوم الأول من الشهر عن جميع أيام رمضان، فيقول بقلبه مثلًا: (نويت صوم ثلاثين يومًا عن شهر رمضان هذه السنة).

وعلى الحائض والنُفساء التي انقطع دمها ليلة الصيام أن تنوي صيام اليوم التالي وإن لم تغتسل لأن الغسل ليس شرطًا لصحة الصيام وإنما هو شرط لصحة الصلاة.

ثانيًا: الإمساك عن الأكل والشرب وعن إدخال كل ما له حجم ولو كان أجزاءً صغيرة كحبة سمسم أو أقل إلى الرأس أو البطن أو الأمعاء من منفذ مفتوح كالفم والأنف والقبل والدبر من الفجر إلى المغرب، وعلى قولٍ عند الفقهاء أن الأذن منفذ مفتوح وعليه فالقطرة في الأذن مفطرة، وبعض الفقهاء لم يعتبرها منفذًا مفتوحًا إنما هي كالمسام فعندهم القطرة في الأذن غير مفطرة، والقطرة في العين عند الإمام الشافعي رضي الله عنه غير مفطرة ولو شعر بطعمها في حلقه، أما إن وصل إلى ظاهر الفم فبلعه أفطر.

ومن أكل ناسيًا أو شرب ولو كثيرًا لم يفطر ولو في صيام النفل ففي الصحيح (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) رواه البخاري. ومن أدخل شيئًا إلى فمه كإصبعه أو ريشة فأخرج القيء عمدًا أفطر ولو لم يرجع من القيء شيء إلى الجوف، وأما من غلبه القيء فلا يفطر إن لم يبلع شيئًا منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ذرعه القيء (أي غلبه) وهو صائم فليس عليه قضاء ومن استقاء فليقض)، كما يجب في نهار رمضان الإمساك عن الجماع وإخراج المنيّ بالاستمناء بنحو اليد فإن ذلك مفطر.

وقت الصيام من الفجر إلى المغرب.

لما كان وقت الصيام من الفجر إلى المغرب وجب معرفة طرفي النهار على كل مكلف بالصيام أي الفجر والمغرب.

والفجر هو البياض المعترض في الأفق الشرقي يبدأ دقيقًا ثم ينتشر ويتوسع، والمغرب هو مغيب قرص الشمس كاملًا، قال تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} البقرة/187 وغروب الشمس علامة على دخول الليل، فمن أكل بعد الفجر متوهمًا أن الفجر لم يطلع فسد صومه فيلزمه الإمساك عن المفطرات باقي النهار وقضاء هذا اليوم، ولو أكل قبيل مغيب قرص الشمس متوهمًا أن الشمس غربت ثم تبين خلاف ذلك فسد صومه ولزمه قضاء هذا اليوم.

والذي يبطل الصيام أشياء.

الأكل والشرب ولو قدر سمسمة أو أقل عمدًا غير مكره، والشرب ولو قطرة ماء أو دواء، ولا يضر غبار الطريق أو غربلة دقيق لعسر التحرز منه، كذلك الدخان الذي يصل جوف الصائم من غيره كمجاور شارب السيجارة فإنه غير مفطر، أما شارب السيجارة ونحوها فإنه يفطر بلا خلاف وذلك لأنه تنفصل منه ذرات تصل إلى الجوف.

ومن بالغ في المضمضة أو الاستنشاق فدخل الماء إلى جوفه أفطر، وابتلاع البلغم فيه تفصيل: فإن كان وصل إلى ظاهر الفم ثم بلعه أفطر، وإن كان مما تحت مخرج الحاء فابتلعه لا يفطر، وعند أبي جنيفة رضي الله عنه البلغم لا يفطّر مطلقًا أي وإن وصل إلى ظاهر الفم فبلعه وفي ذلك فسحة للناس، وإذا بلع ريقه المتغير من الطعام أو الشراب الذي تناوله قبل الفجر أفطر.

والحقنة في القبل أو الدبر مفطرة بخلاف الإبرة في الجلد أو الشريان فإنها لا تفطر لأن الجلد ليس منفذًا مفتوحًا، ومن أغمي عليه في نهار رمضان ولم يستغرق كل اليوم لا يفطر أما إذا استغرق الإغماء كل اليوم من الفجر حتى الغروب لم يصح صيامه، وكذا لو طرأ على المرأة حيض أو نفاس ولو قبيل الغروب بقليل أفطرت.

ويبطل الصيام بالجماع عامدًا باختياره نهارًا ذاكرًا للصيام عالمًا بالحكم ولو لم ينزل المني، أما من جامع ناسيًا فلا قضاء عليه لأنه لم يفطر، والصائم النائم إذا احتلم لم يفطر بخلاف خروج المني بالمباشرة أو الاستمناء بنحو اليد عمدًا لا ناسيًا فإنه يفطر.

ومن استيقظ بعد الفجر جنبًا من جماع أو غيره فإنه يصوم نهار ذلك اليوم ويغتسل للصلاة فعن عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم) رواه البخاري.

ومن مفسدات الصيام.

الوقوع في الردة والعياذ بالله، والردة هي قطع الإسلام وتحصل تارة بالقول وتارة بالفعل وتارة بالاعتقاد كما ذكر ذلك النووي في روضة الطالبين وغيره.

الكفر القولي: كسبّ الله أو دين الإسلام أو ملك من الملائكة أو نبي من الأنبياء أو الاستخفاف بالله أو بشيء من شعائر دينه. يقع الكفر هنا والعياذ بالله سواء كان الشخص جادًا بكلامه أو هازلًا، قاصدًا الكفر أو غير قاصد، وذلك مصداق قوله صلى الله عليه وسلم: (إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسًا يهوي بها في النار سبعين خريفًا) رواه الترمذي وغيره، أي أن الإنسان قد يتكلم بكلمة لا بها ضررًا ولا يعتبرها معصية فضلًا عن كونها كفرًا تهوي به مسافة سبعين عامًا في النزول وذلك منتهى جهنم وهو خاص بالكفار، لذلك قال ابن حجر العسقلاني في شرحه على الحديث: (وذلك ما فيه استخفاف بالله أو بشريعته).

الكفر الفعلي: كرمي المصحف في القاذورات، قال ابن عابدين: (ولو لم يقصد الاستخفاف لأن فعله يدل على الاستخفاف)، أو أوراق العلوم الشرعية أو أي ورقة عليها اسم من أسماء الله تعالى مع العلم بوجود الاسم فيها.

الكفر الاعتقادي: ومكانه القلب كنفي وجود الله أو الشك في وجوده تعالى أو نسبة النقائص إلى الله تعالى أو الشك في صحة دين الإسلام أو في البعث أوالحشر أوالحساب أوالثواب أوالعذاب أوالجنة أوالنار .

ومن وقع في إحدى هذه الكفريات فسد صومه وأمسك بقية النهار، ولزمه الرجوع إلى الإسلام بالنطق بالشهادتين بقول “لا إله إلا الله محمد رسول الله” أي بنية التبرئ مما حصل منه ونية العود إلى الإسلام، وعليه قضاء ما كان من أيام رمضان وهو على تلك الحالة.

ما يجب على المفطر عامدًا في رمضان.

المفطر في حال يجب عليه القضاء فقط، وفي حال يجب عليه القضاء والفدية معًا، وفي حال تجب الفدية فقط بدل الصيام، وفي حال يجب القضاء والكفارة معًا.

فأما المفطر الذي يجب عليه القضاء فقط فهو الذي أفطر بسبب مرض يرجى برؤه أي شفاؤه، ومن كان في سفر طويل أفطر فيه، والحائض والنفساء، كذلك الذي أفطر عامدًا في رمضان بدون عذر إلا أن هذا عليه الإثم أيضًا فيلزمه التوبة من عمله هذا بالندم والعزم على عدم العود لمثله والإقلاع عنه، كذكك الحامل والمرضع إن خافتا على أنفسهما، فهؤلاء جميعًا عليهم قضاء كل يوم بيوم فقط.

وأما المفطر الذي يجب عليه القضاء والفدية معًا فهما الحامل والمرضع إن خافتا على ولديهما فأفطرتا فعليهما القضاء عن كل يوم مد من غالب قوت البلد، وعند الإمام أبي حنيفة لا يجب عليها إلا القضاء.

وأما المفطر الذي يجب عليه الفدية فقط فهو الشيخ العجوز الذي لا يتحمل الصوم أو تلحقه مشقة شديدة فإنه يفطر ويفدي عن كل يوم بيومه، وكذلك المريض الذي لا يرجى شفاؤه فلا صوم عليه ولا قضاء وإنما يجب عليه الفدية وهي مقدار ما يغدي ويعشي عند أبي حنيفة، وعند الشافعي مدُ قمح أو غيره على حسب غالب قوت البلد.

وأما المفطر الذي يجب عليه القضاء والكفارة معًا فهو الذي جامع في نهار رمضان عمدًا باختياره ذاكرًا للصيام ولو لم ينزل المني فإن عليه قضاء هذا النهار الذي أفسده كما يجب عليه الكفارة، والكفارة على هذا الترتيب: عتق رقبة مؤمنة فإن عجز صام شهرين متتابعين غير يوم القضاء، فإن عجز عن الصيام أطعم ستين مسكينًا لكل مسكين مقدار ما يغدي ويعشي عند أبي حنيفة وعند الشافعي مُد من غالب قوت البلد، فإن عجز عنها كلها استقرت الكفارة في ذمته ولا شيء عليه بدلها.

الأيام التي يحرم الصيام فيها.

الأيام التي يحرم الصيام فيها هي يوم عيد الفطر وهو أول شوال، ويوم عيد الأضحى وأيام التشريق الثلاثة وهي التي تلي يوم عيد الأضحى ويوم الشك وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا أخبر من لا يثبت الصيام بقولهم مِن فسقة أو نسوة وصبيان أنهم رأوا هلال رمضان، وذلك لحديث البخاري عن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه قال : (من صام يوم الشك فقد عصا أبا القاسم) ولا يجوز أيضًا صوم النصف الأخير من شعبان إلا أن يصله بما قبله أو يصومه عن قضاء أو نذر أو ورد.

نسأل الله تعالى أن يوفقنا لأداء ما أوجب علينا على الوجه الذي يرضيه.