صلاة العيد

صلاة العيدين الفطر والأضحى

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله محمد طه الأمين، وعلى ءاله وصحابته الطيبين الطاهرين ومن تبعهم وسار على منوالهم إلى يوم الفصل والدين.

أما بعد: فإن العيد مشتق من العود لتكرره كل عام، وقيل لعود السرور بعوده، وجمعه أعياد. والأصل في صلاته قبل الإجماع مع الأخبار الآتية قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} أراد به صلاة الأضحى والذبح.

وأول عيد صلاه صلى الله عليه وسلم عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة ولم يتركها فهي سنة وليست بفرض لقوله صلى الله عليه وسلم للسائل عن الصلاة: “خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُّنَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ” فقَالَ لَهُ السائل: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ: “لا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ” فهي سنة مؤكدة لمواظبته صلى الله عليه وسلم عليها، وقيل فرض كفاية نظرًا إلى أنها من شعائر الإسلام ولأنها يتوالى فيها التكبير فأشبهت صلاة الجنازة، وأجمع المسلمون على أنها ليست فرض عين.

وتُشرعُ جماعةً لفعله صلى الله عليه وسلم، و تُشرعُ أيضًا للمنفرد والعبد والمرأة والمسافر والصغير، فلا تتوقف على شروط الجمعة من اعتبار الجماعة والعدد وغيرهما. ويسن الاجتماع لها في موضع واحد ويكره تعدده بلا حاجة.

ووقتها ما بين طلوع الشمس وارتفاعها قدر رمح  وزوالها يوم العيد، وأما كون ءاخر وقتها الزوال فمتفق عليه لأنه يدخل به وقت صلاة أخرى. وهي ركعتان بالإجماع وللأدلة الآتية وحكمها في الأركان والشرائط والسنن كسائر الصلوات.

وهذا أقلها وأكملها أن يأتي بعد تكبيرة الإحرام بدعاء الافتتاح كسائر الصلوات ثم سبع تكبيرات لما رواه الترمذي وحسنه أنه صلى الله عليه وسلم كبر في العيدين في الأولى سبعًا قبل القراءة وفي الثانية خمسًا قبل القراءة. وتكبيرة الإحرام ليست من السبعة.

ثم بعد التكبيرة الأخيرة يتعوذ لأنه لاستفتاح القراءة، ويقرأ الفاتحة كغيرها من الصلوات وسيأتي ما يقرأ بعدها. ويكبر في الركعة الثانية بعد تكبيرة القيام خمسًا بالصفة السابقة قبل التعوذ والقراءة، للخبر المتقدم ويجهر ويرفع يديه ندبًا في الجميع أي السبع والخمس كغيرها من تكبيرات الصلاة.

ويسن أن يضع يمناه على يسراه تحت صدره بين كل تكبيرتين كما في تكبيرة الإحرام. ولو شك في عدد التكبيرات أخذ بالأقل كما في عدد الركعات. ولو صلى خلف من يكبر ستًا أو ثلاثًا مثلاً تابعه ولم يزد عليها ندبًا فيهما سواء اعتقد إمامه ذلك أم لا لخبر: إنما جعل الإمام ليؤتم به، حتى لو ترك إمامه التكبيرات لم يأت بها.

ولَسْنَ أي التكبيرات المذكورات فرضًا ولا بعضًا بل من الهيئات كالتعوذ ودعاء الافتتاح فلا يسجد لتركهن عمدًا ولا سهوًا، وإن كان الترك لكلهن أو بعضهن مكروهًا. ولو نسيها فتذكرها قبل الركوع وشرع في القراءة ولو لم يتم الفاتحة فاتت، في المذهب الجديد للشافعي، فلو عاد لم تبطل صلاته بخلاف ما لو تذكرها في الركوع أو بعده وعاد إلى القيام ليكبر فإن صلاته تبطل. وفي المذهب القديم يكبر ما لم يركع لبقاء محله وهو القيام، وعلى هذا لو تذكره في أثناء الفاتحة قطعها وكَبَّرَ ثم استأنف القراءة أو بعد فراغها كَبَّرَ وندب إعادة الفاتحة

ويقرأ بعد الفاتحة  جهرًا في الركعة الأولى (ق) وفي الثانية (اقتربت) بكمالهما كما ثبت في صحيح مسلم وإن لم يرض المأمومون بالتطويل. ولو قرأ في الأولى (سبح اسم ربك الأعلى) وفي الثانية (هل أتاك حديث الغاشية)، كانت سنة أيضًا كما في الروضة لثبوته أيضًا في صحيح مسلم. قال الأذرعي لكن الذي نص عليه الشافعي والأصحاب الأول.

ويسن بعدهما خطبتان للجماعة تأسيًا به صلى الله عليه وسلم وبخلفائه الراشدين ولا فرق في الجماعة بين المسافرين وغيرهم، ولو قدم الخطبة على الصلاة لم يعتد بها.

وأركانهما وسننهما كما في الجمعة أي كأركانهما وسننهما، ويعلمهم ندبًا في كل عيد أحكامه ففي عيد الفطر يعلمهم أحكام الفِطرة، وفي عيد الأضحى يعلمهم أحكام الأضحية، ويفتتح الخطبة الأولى بتسع تكبيرات ولاء إفرادًا والخطبة الثانية بسبع ولاء إفرادًا تشبيهًا للخطبتين بصلاة العيد فإن الركعة الأولى تشتمل على تسع تكبيرات فإن فيها سبع تكبيرات وتكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع والركعة الثانية على سبع تكبيرات فإن فيها خمس تكبيرات وتكبيرة القيام وتكبيرة الركوع والولاء سنة في التكبيرات وكذا الإفراد.

ويندب الغُسلُ لعيد فطر أو أضحى قياسًا على الجمعة. ولا فرق بين من يحضر الصلاة وبين غيره لأنه يوم زينة فَسُنَّ الغُسلُ له، ويدخل وقته بنصف الليل وإن كان المستحب فعله بعد الفجر. وقيل يجوز في جميع الليل. وفي قول يدخل وقته بالفجر كالجمعة.

ويندب الطيب أي التطيب بأحسن ما يجد عنده من الطيب. ويندب التزين بأحسن ثيابه وبإزالة الظفر والريح الكريهة كالجمعة لكن الجمعة السنة فيها لبس البياض، أما مريد الأضحية لا يزيل شعره ولا ظفره حتى يضحي.

ويذهب ندبًا مصلي العيد لصلاتها إمامًا كان أو غيره في طريق ويرجع منها في طريق أخرى للاتباع رواه البخاري.

ويخص الذهاب بأطولهما وذكر في حكمه ذلك وجوه أوجهها أنه كان يذهب في أطولهما تكثيرًا للأجر ويرجع في أقصرهما وقيل يخالف بينهما لتشهد له الطريقان وقيل غير ذلك. ويبكر الناس للحضور للعيد ندبًا بعد صلاتهم الصبح كما نص عليه الشافعي ليحصل لهم القرب من الإمام وفضيلة انتظار الصلاة. ويحضر الإمام متأخرًا عنهم وقت صلاته للاتباع رواه الشيخان ولأن انتظارهم إياه أليق.

ويأكل في عيد الفطر قبل الصلاة، والأفضل كون المأكول تمرًا وترًا فإن لم يأكل ما ذكر في بيته ففي الطريق أو المصلى إن تيسر.  ويمسك عن الأكل في عيد الأضحى حتى يصلي للاتباع وليتميز عيد الفطر عما قبله الذي كان الأكل فيه حرامًا، بخلافه قبل صلاة عيد الأضحى، والشرب كالأكل، ويكره له ترك ذلك كما نقله في المجموع عن نص الأم.

ويسن إحياء ليلة العيد بالعبادة من صلاة وغيرها من العبادات لخبر: “مَنْ أَحْيَا لَيْلَتَيْ الْعِيدِ لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ” رواه الدارقطني موقوفًا، قال في المجموع وأسانيده ضعيفة ومع ذلك استحبوا الإحياء لأن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال. قيل والمراد بموت القلوب شغفها بحب الدنيا وقيل غير ذلك. والدعاء في ليلة العيد مستجاب كما ذكر الإمام الشافعي فيستحب.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحابته الطيبين الطاهرين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.