أليس الله بكافٍ عبده

قال الله تعالى: { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } [سورة الزمر]

قال المفسر محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي في كتابه «الجامع لأحكام القرءان» عند تفسيره لهذه الآية ما نصه[(562)]: «وقراءة العامة {عَبْدَهُ} بالتوحيد يعني محمدا – صلى الله عليه وسلم – يكفيه الله وعيد المشركين وكيدهم. وقرأ حمزة والكسائي (عباده) وهم الأنبياء، أو الأنبياء والمؤمنون بهم. واختار أبو عبيد قراءة الجماعة لقوله عقيبه: ويخوفونك بالذين من دونه. ويحتمل أن يكون العبد لفظ الجنس، كقوله عز من قائل: إن الإنسان لفي خسر وعلى هذا تكون القراءة الأولى راجعة إلى الثانية. والكفاية شر الأصنام، فإنهم كانوا يخوفون المؤمنين بالأصنام، حتى قال إبراهيم عليه السلام: وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله.

قوله تعالى ويخوفونك بالذين من دونه وذلك أنهم خوفوا النبي – صلى الله عليه وسلم – مضرة الأوثان، فقالوا: أتسب آلهتنا؟ لئن لم تكف عن ذكرها لتخبلنك أو تصيبنك بسوء وقال قتادة: مشى خالد بن الوليد إلى العزى ليكسرها بالفأس. فقال له سادنها: أحذركها يا خالد فإن لها شدة لا يقوم لها شيء، فعمد خالد إلى العزى فهشم أنفها حتى كسرها بالفأس. وتخويفهم لخالد تخويف للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه الذي وجه خالدا. ويدخل في الآية تخويفهم النبي – صلى الله عليه وسلم – بكثرة جمعهم وقوتهم، كما قال: أم يقولون نحن جميع منتصر».اهـ

وقال الإمام المفسر السلفي محمد بن جرير الطبري رحمه الله في تفسيره «جامع البيان في تفسير القرءان»، في شرحه لهذه الآية ما نصه[(563)]: «اختلفت القراء في قراءة: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} فقرأ ذلك بعض قراء المدينة وعامة قراء أهل الكوفة: (أليس الله بكاف عباده) على الجمع، بمعنى: أليس الله بكاف محمدا وأنبياءه من قبله – ما خوفتهم أممهم من أن تنالهم آلهتهم – بزعمهم – بسوء، وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة، وبعض قراء الكوفة: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} على التوحيد، بمعنى: أليس الله بكاف عبده محمدا.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار.

فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب لصحة معنييهما واستفاضة القراءة بهما في قراءة الأمصار وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل».اهـ

وقال المفسر الحسين بن مسعود البغوي المشهور في تفسيره «المسمى معالم التنزيل»[(564)] في شرحه لهذه الآية: «قوله عز وجل: (أليس الله بكاف عبده) يعني: محمدا – صلى الله عليه وسلم – وقرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي: (عباده) بالجمع يعني: الأنبياء عليهم السلام، قصدهم قومهم بالسوء كما قال: {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} [سورة غافر] فكفاهم الله شر من عاداهم، {وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} وذلك أنهم خوفوا النبي – صلى الله عليه وسلم – معرة الأوثان. وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون {وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ }» اهـ.