إلا اللَّمم

قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } [سورة النجم]

قال الإمام المفسر القرطبي في كتابه الجامع لأحكام القرءان في تفسيره لهذه الآية ما نصه: «قوله تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ} فيه ثلاث مسائل:

الأولى: قوله تعالى الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش هذا نعت للمحسنين؛ أي هم لا يرتكبون كبائر الإثم وهو الشرك؛ لأنه أكبر الآثام. وفسره ابن عباس بالشرك.

والفواحش الزنى: وقال مقاتل: كبائر الإثم كل ذنب ختم بالنار والفواحش كل ذنب فيه الحد. وقد مضى في (النساء) القول في هذا.

ثم استثنى استثناء منقطعا وهي المسألة الثانية: فقال: إلا اللمم وهي الصغائر التي لا يسلم من الوقوع فيها إلا من عصمه الله وحفظه. وقد اختلف في معناها؛

وذكر مقاتل بن سليمان: أن هذه الآية نزلت في رجل كان يسمى نبهان التمار؛ كان له حانوت يبيع فيه تمرا، فجاءته امرأة تشتري منه تمرا فقال لها: إن داخل الدكان ما هو خير من هذا، فلما دخلت راودها فأبت وانصرفت فندم نبهان؛ فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ما من شىء يصنعه الرجل إلا وقد فعلته إلا الجماع؛ فقال: لعل زوجها غاز فنزلت هذه الآية، وقد مضى في آخر «هود» وهو قوله تعالى :” وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ” .

وفي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة، فزنى العينين النظر وزنى اللسان النطق والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه. والمعنى: أن الفاحشة العظيمة والزنى التام الموجب للحد في الدنيا والعقوبة في الآخرة هو في الفرج وغيره له حظ من الإثم. والله أعلم .

وفي رواية أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك لا محالة فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطا والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ويكذبه. خرجه مسلم. وقد ذكر الثعلبي حديث طاوس عن ابن عباس فذكر فيه الأذن واليد والرجل، وزاد فيه بعد العينين واللسان: وزنى الشفتين القبلة. فهذا قول. وقال ابن عباس أيضا: هو الرجل يلم بذنب ثم يتوب. قال: ألم تسمع النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: إن يغفر الله يغفر جما وأي عبد لك لا ألما – أي أذنب -، رواه عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس. قال النحاس: هذا أصح ما قيل فيه وأجلها إسنادا. وروى شعبة عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس في قول الله عز وجل إلا اللمم قال: هو أن يلم العبد بالذنب ثم لا يعاوده؛ قال الشاعر أمية بن أبي الصلت: إن تغفر اللهم تغفر جما ، وأي عبد لك لا ألما وكذا قال مجاهد والحسن: هو الذي يأتي الذنب ثم لا يعاوده، ونحوه عن الزهري، قال: اللمم أن يزني ثم يتوب فلا يعود، وأن يسرق أو يشرب الخمر ثم يتوب فلا يعود. ودليل هذا التأويل قوله تعالى والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم الآية.

ثم قال: أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم فضمن لهم المغفرة؛ كما قال عقيب اللمم: إن ربك واسع المغفرة فعلى هذا التأويل يكون إلا اللمم استثناء متصلا. قال عبد الله بن عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك. وقيل: اللمم الذنب بين الحدين وهو ما لم يأت عليه حد في الدنيا، ولا توعد عليه بعذاب في الآخرة تكفره الصلوات الخمس ؛ قاله ابن زيد وعكرمة والضحاك وقتادة. ورواه العوفي والحكم بن عتيبة عن ابن عباس. وقال الكلبي: اللمم على وجهين: كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا في الدنيا ولا عذابا في الآخرة؛ فذلك الذي تكفره الصلوات الخمس ما لم يبلغ الكبائر والفواحش، والوجه الآخر: هو الذنب العظيم يلم به الإنسان المرة بعد المرة فيتوب منه. وعن ابن عباس أيضا وأبي هريرة وزيد بن ثابت: هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم به. وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين: إنما كنتم بالأمس تعملون معنا فنزلت، وقاله زيد بن أسلم وابنه؛ وهو كقوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف. وقيل: اللمم هو أن يأتي بذنب لم يكن له بعادة؛ قاله نفطويه. قال: والعرب تقول ما يأتينا إلا لماما؛ أي في الحين بعد الحين. قال: ولا يكون أن يلم ولا يفعل، لأن العرب لا تقول: ألم بنا إلا إذا فعل الإنسان لا إذا هم ولم يفعله. وفي الصحاح: وألم الرجل من اللمم وهو صغائر الذنوب، ويقال: هو مقاربة المعصية من غير مواقعة. وأنشد غير الجوهري:

بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب              وقل إن تملينا فما ملك القلب

أي: اقرب.

وقال عطاء بن أبي رباح: اللمم عادة النفس الحين بعد الحين. وقال سعيد بن المسيب: هو ما ألم على القلب؛ أي خطر. وقال محمد ابن الحنفية: كل ما هممت به من خير أو شر فهو لمم. ودليل هذا التأويل قوله عليه الصلاة والسلام: إن للشيطان لمة وللملك لمة الحديث. وقد مضى في «البقرة «عند قوله تعالى الشيطان يعدكم الفقر. وقال أبو إسحاق الزجاج: أصل اللمم والإلمام ما يعمله الإنسان المرة بعد المرة ولا يتعمق فيه ولا يقيم عليه؛ يقال: ألممت به إذا زرته وانصرفت عنه، ويقال: ما فعلته إلا لمما وإلماما؛ أي: الحين بعد الحين. وإنما زيارتك إلمام، ومنه إلمام الخيال؛ قال الأعشى:

ألم خيال من قتيلة بعدما                   وهى حبلها من حبلنا فتصرما

وقيل: إلا بمعنى الواو. وأنكر هذا الفراء وقال: المعنى إلا المتقارب من صغار الذنوب. وقيل: اللمم النظرة التي تكون فجأة.

قلت: هذا فيه بعد إذ هو معفو عنه ابتداء غير مؤاخذ به؛ لأنه يقع من غير قصد واختيار، وقد مضى في «النور «بيانه. واللمم أيضا طرف من الجنون، ورجل ملموم أي به لمم. ويقال أيضا:أصابت فلانا لمة من الجن وهي المس والشىء القليل؛ قال الشاعر:

فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن                إلا كلام حالم بخيال

الثالثة: قوله تعالى إن ربك واسع المغفرة لمن تاب من ذنبه واستغفر؛ قاله ابن عباس. وقال أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل وكان من أفاضل أصحاب ابن مسعود: رأيت في المنام كأني دخلت الجنة فإذا قباب مضروبة، فقلت: لمن هذه؟ فقالوا: لذي الكلاع وحوشب، وكانا ممن قتل بعضهم بعضا، فقلت: وكيف ذلك؟ فقالوا: إنهما لقيا الله فوجداه واسع المغفرة. فقال أبو خالد: بلغني أن ذا الكلاع أعتق اثني عشر ألف بنت.

قوله تعالى ((هو أعلم بكم من أنفسكم إذ أنشأكم من الأرض)) يعني أباكم آدم من الطين وخرج اللفظ على الجمع. قال الترمذي أبو عبد الله: وليس هو كذلك عندنا، بل وقع الإنشاء على التربة التي رفعت من الأرض، وكنا جميعا في تلك التربة وفي تلك الطينة، ثم خرجت من الطينة المياه إلى الأصلاب مع ذرو النفوس على اختلاف هيئتها، ثم استخرجها من صلبها على اختلاف الهيئات؛ منهم كالدر يتلألأ، وبعضهم أنور من بعض، وبعضهم أسود كالحممة، وبعضهم أشد سوادا من بعض؛ فكان الإنشاء واقعا علينا وعليه.

حدثنا عيسى بن حماد العسقلاني قال: حدثنا بشر بن بكر، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عرض علي الأولون والآخرون بين يدي حجرتي هذه الليلة فقال قائل: يا رسول الله، ومن مضى من الخلق؟ قال: نعم، عرض علي آدم فمن دونه فهل كان خلق أحد قالوا: ومن في أصلاب الرجال وبطون الأمهات؟ قال: نعم، مثلوا في الطين فعرفتهم كما علم آدم الأسماء كلها.

قلت: – وقد تقدم في أول (الأنعام) – أن كل إنسان يخلق من طين البقعة التي يدفن فيها.

وإذ أنتم أجنة جمع جنين وهو الولد ما دام في البطن، سمي جنينا لاجتنانه واستتاره. قال عمرو بن كلثوم: هجان اللون لم تقرأ جنينا.

وقال مكحول: كنا أجنة في بطون أمهاتنا فسقط منا من سقط وكنا فيمن بقي، ثم صرنا رضعا فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي، ثم صرنا يفعة فهلك منا من هلك، وكنا فيمن بقي ثم صرنا شبابا فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي، ثم صرنا شيوخا – لا أبا لك! – فما بعد هذا ننتظر؟!

وروى ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن ثابت بن الحارث الأنصاري قال: كانت اليهود تقول إذا هلك لهم صبي صغير: هو صديق؛ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كذبت يهود ما من نسمة يخلقها الله في بطن أمه إلا أنه شقي أو سعيد فأنزل الله تعالى عند ذلك هذه الآية: هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض إلى آخرها. ونحوه عن عائشة: كان اليهود، بمثله.

فلا تزكوا أنفسكم أي لا تمدحوها ولا تثنوا عليها، فإنه أبعد من الرياء وأقرب إلى الخشوع.

هو أعلم بمن اتقى أي أخلص العمل واتقى عقوبة الله؛ عن الحسن وغيره. قال الحسن: قد علم الله سبحانه كل نفس ما هي عاملة، وما هي صانعة، وإلى ما هي صائرة. وقد مضى في (النساء) الكلام في معنى هذه الآية عند قوله تعالى ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم فتأمله هناك. وقال ابن عباس: ما من أحد من هذه الأمة أزكيه غير رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم».اهـ

وقال المفسر الحسين بن مسعود البغوي في تفسيره لهذه الآية: «ثم وصفهم فقال: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ} اختلفوا في معنى الآية، فقال قوم: هذا استثناء صحيح، واللمم من الكبائر والفواحش، ومعنى الآية: إلا أن يلم بالفاحشة مرة ثم يتوب، ويقع الوقعة ثم ينتهي وهو قول أبي هريرة [ومجاهد، والحسن]، ورواية عطاء عن ابن عباس.

قال عبد الله بن عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك.

وقال السدي قال أبو صالح: سئلت عن قول الله تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ} ، فقلت: هو الرجل يلم بالذنب ثم لا يعاوده، فذكرت ذلك لابن عباس فقال: لقد أعانك عليها ملك كريم.

وروينا عن عطاء عن ابن عباس في قوله: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ} ، قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك لا ألما» .

وأصل «اللمم والإلمام»: ما يعمله الإنسان الحين بعد الحين، ولا يكون إعادة، ولا إقامة.

وقال آخرون: هذا استثناء منقطع، مجازه: لكن اللمم، ولم يجعلوا اللمم من الكبائر والفواحش، ثم اختلفوا في معناه، فقال بعضهم: هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم الله به، وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين: إنهم كانوا بالأمس يعملون معنا؟ فأنزل الله هذه الآية. وهذا قول زيد بن ثابت، وزيد بن أسلم.

أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمود بن غيلان، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: ما رأيت أشبه باللمم مما قاله أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك ويكذبه» .

ورواه سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي – صلى الله عليه وسلم -، وزاد: «العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد [زناها] البطش، والرجل زناها الخطا».

وقال الكلبي: «اللمم «على وجهين: كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا في الدنيا ولا عذابا في الآخرة، فذلك الذي تكفره الصلوات ما لم يبلغ الكبائر والفواحش، والوجه الآخر هو الذنب العظيم يلم به المسلم المرة بعد المرة فيتوب منه.

وقال سعيد بن المسيب: هو ما لمّ على القلب أي خطر.

وقال الحسين بن الفضل: «اللمم «النظرة من غير تعمد، فهو مغفور، فإن أعاد النظرة فليس بلمم وهو ذنب.

{إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} قال ابن عباس: لمن فعل ذلك وتاب، تم الكلام هاهنا، ثم قال: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} أي خلق أباكم آدم من التراب {وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ} جمع جنين، سمي جنينا لاجتنانه في البطن {فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} قال ابن عباس: لا تمدحوها. قال الحسن: علم الله من كل نفس ما هي صانعة وإلى ما هي صائرة، فلا تزكوا أنفسكم، لا تبرئوها عن الآثام، ولا تمدحوها بحسن أعمالها.

قال الكلبي ومقاتل: كان الناس يعملون أعمالا حسنة ثم يقولون: صلاتنا وصيءامنا وحجنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} أي: بر وأطاع وأخلص العمل لله تعالى».اهـ