فضل سورة تبارك

فضل سورة تبارك: النجاة من عذاب القبر و عذاب النار.

الحمد لله ربِّ الكائنات، المنـزَّه عنِ صفات المخلوقات. والصلاة والسلامُ على خيرِ الكائنات سيدِنا محمد وعلى سائرِ إخوانه النبيِّينَ المؤيَّدين بالمعجزاتِ الباهرات فبِعصا موسى انفلق البحر وبدُعاءِ نوحٍ نزلَ المطرُ ولمحمد شهدَ الشجرُ والحجر وانشقَّ القمر.

أما بعد : يقول الله تعالى في القرءانِ الكريم: ]النّارُ يُعرضونَ عليها غدُوًّا وعشِيًّا ويومَ تقومُ الساعةُ أدخِلُوا ءالَ فرعونَ أشدَّ العذاب[.

إنَّ عذاب القبرِ ثابتٌ بنصِّ القرءانِ والحديثِ، وأما هذهِ الآيةُ فقد وردت في عذاب القبر للكفارِ، وأما عصاة المسلمينَ فهم صنفان صنف يعفيهِمُ اللهُ من عذاب القبر وصنفٌ يعذبهم ثم ينقطعُ عنهم ويؤخر لهم بقيةَ عذابِهم إلى الآخرة.

ومما يكونُ سببًا للنجاةِ من عذاب القبرِ قِرَاءَةُ سورَة الملك فقد ورد في صحيحِ الإمامِ ابنِ حبان من حديثِ أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: “إنَّ في القرءانِ ثلاثينَ ءايةً تستغفِرُ لصاحبِها حتى يُغفرَ له تبارك الذي بيدِه الملك” وفي أمالِيِّ الحافظِ العسقلانيِّ بإسنادٍ صحيحٍ من حديثِ ابنِ عباسٍ رضي اللهُ عنهُما عن النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم أنه قالَ: “وددتُ أنها في جوفِ كلِّ إنسانٍ من أمَّتِي” أي تبارك الذي بيدِه الملك. فمن حافظَ على قراءتِها كلَّ يومٍ كان داخِلا في هذا الحديث. ووردَ عن ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما أيضا أنهُ أي صاحبُ هذه السورة لا يُعذَّبُ في قبرِه لأنها تجادِلُ عن صاحبِها يومَ القيامة فتُنجيهِ من النارِ، أي أنها تمنعُهُ من دخولِ النار. فينبغِي حفظُها وتلاوتُها مع تصحيحِ اللفظ. فمن سمِعَ بهذا الفضلِ العظيمِ ولم يهتمَّ لحفظِها وتلاوتِها على الوجهِ الصحيحِ الذي أُنزِلت عليهِ فإنهُ مُتهاوِنٌ بالخيرِ العظيم وذلك دليلٌ على ضَعفِ هِمَّتِهِ لآخرتِه فإنَّ من نجا في القبرِ من العذاب نجا فيما بعد ذلك فقد جاء عن عثمانَ بنِ عفان رضي الله عنه أنه قالَ شعرًا:

فإن تنجُ منها تنجُ من ذي عظيمةٍ                         وإلا فإنِّي لا إِخالُكَ ناجِيا

ومعنى إخالُكَ أظُنُّكَ، فلذلكَ كان عثمانُ رضي الله عنه إذا أتى القبورَ بكى حتى يبُلَّ لحيتَه بالدموعِ فقيلَ له في ذلك، فقالَ هذا البيتَ وذكر أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: “القبرُ أولُ منزلةٍ من منازلِ الآخرةِ فمن نجا منهُ كان أنجى مما بعدَه ومن لم ينجُ منهُ كان ما بعدَهُ أشدَّ عليه”. فمن نجا في قبرِهِ من النكدِ والعذابِ كان ناجِيا في الآخرةِ من العذاب. فالعاقلُ الذي بلغَه هذا الحديثُ لا يتهاونُ بهذا الفضلِ العظيم .

ومما ينفعُ للنجاةِ من عذابِ القبرِ أن يكونَ موتُ الشخصِ بمرضِ بطنِه لقوله صلى الله عليه وسلم: “من قتلهُ بطنُه لم يعذَّبْ في قبره” وذلك كالإسهالِ والقولنج، والقولنج أي احتباسُ الخروجِ والريحِ وهو ضدُّ الإسهالِ الذي هو كثرةُ الخروج. والقولنج مرضٌ صعبٌ فظيع.

ومن الأمراضِ المُنجيةِ لصاحبِها إذا ماتَ بها مرضُ ذاتِ الجنبِ وهو ورمٌ يحصُلُ في الأضلاعِ ثم ينفتِحُ إلى الجلدِ فهذا أيضًا من ماتَ فيه فهو شهيدٌ ما عليهِ عذابٌ قط. كذلك يسلمُ من عذاب القبر ومن عذابِ الآخرةِ من ماتَ بالطاعونِ وهو نوعٌ من الورمِ يحدثُ في مراقِ البطنِ أي المواضعِ الليِّنةِ أو تحتَ الإبطِ مع خفقان وإسهالٍ وقيءٍ وسخونةٍ فيموتُ صاحبُه ولا يبرأُ غالبا.

وأفضلُ من هذا كلِّه بمآلِ الشخصِ في قبرِه وفي ءاخرتِه أن يكون عند وفاتِه بحالةِ كمال الإيمان وهو أن يكون مؤدِّيًا لجميعِ فرائض الله تعالى التي منها تعلُّمُ ما افترضَ اللهُ على عبادِه تعلُّمُه والأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكرِ ومجتنبا للكبائرِ، فإنَّ من وافاهُ الموت وهو بهذه الحالِ يكونُ أحسنَ حالا في قبرِه وفي ءاخرتِه. فإنهُ مع نجاتِه من عذابِ القبرِ وعذاب الآخرةِ يكون مُنعَّما في قبره وفي ءاخرتِه.

أما في القبرِ فبأن يُفتحُ له بابٌ من قبرِه إلى الجنةِ ويُنورُ له قبره بنورٍ كنورِ القمرِ ليلةَ البدرِ ويُملأُ عليه قبرُه خُضرةً أي بالنباتِ الأخضرِ وغيرِ ذلك حتى يكونَ قبرُه كروضةٍ من رياضِ الجنةِ فلا يجدُ خوفًا ولا وحشةً ولا ضِيقًا ولا همًّا أو غمًّا، وأما في الآخرةِ فله عند اللهِ تعالى ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ زيادةً على ما يكونُ لسائرِ من دخلَ الجنةَ من المؤمنينَ من أنواعِ النعيم الذي هو مشتركٌ بين جميعِ من دخلَ الجنةَ وهو أن لا يَبْأسَ وأن يحيَا حياةً لا نهايةَ لها وأن يشبَّ شبابًا لا هرمَ بعده وأن يكون صحيحًا لا يمرضُ أبدًا، فهذه الأنواعُ من النعيمِ لا بد أن تكونَ لكلِّ واحدٍ ممن دخلَ الجنة، أما التفاضُلُ فهو فيما بعد ذلكَ فيمتازُ المؤمنُ الكاملُ وهو التقيُّ بأشياءَ لا يعلمُها إلا الله.