قوله تعالى: { الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا}

قال الله تعالى: { الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} [سورة الأنفال]

 

قول الله تعالى: {وَعَلِمَ} ليس راجعًا لقوله تعالى: {الآنَ} ، بل المعنى أنه تعالى خَفَّفَ عنكم الآن لأنه عَلِمَ بعلمه السَّابق في الأزل أنه يكون فيكم ضعف.

هذه الآية معناها أنه نُسِخَ ما كان واجبًا عليهم من مقاومةِ واحدٍ من المسلمين لأضعافٍ كثيرةٍ من الكفَّار بإيجابِ مقاومةِ واحدٍ لاثنين من الكفَّار رحمةً بهم للضَّعفِ الذي فيهم.

والدليلُ العقليُّ على صفةِ العلمِ هو أنه تعالى لو لم يكن عالما لكان جاهلا والجهلُ نقصٌ والله منزَّهٌ عن النَّقص، وأما من حيث النَّقلُ فالنصوص كثيرة، منها قولُهُ تعالى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [سورة الحديد] .

قال الإمام أبو منصور الماتريدي في تفسيره «تأويلات أهل السنة»[(213)]: «أمر – الله – بذلك مع علمه أن فيهم ضعفًا» اهـ.

وقول الله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ} [سورة محمد] .

هذه الآية لا تعني أن الله يتجدد له علم، وليس معنى ذلك أنه سوف يعلم المجاهدين بعد أن لم يكن عالما بهم بالامتحان والاختبار ،هذا يستحيل على الله تعالى، بل معنى الآية حتى نُميّز أي حتى نُظهر للعباد المجاهدين منكم والصابرين من غيرهم، الله يبتلي عباده حتى يُظهِرَ ويُميّزَ لعباده من هو الصادق ومن هو غير الصادق، فالملائكة يعرفون أن هذا صادقٌ صابرٌ على طاعة الله وأن هذا ليس بصابرٍ، يَكشِفُ الله تعالى لهم ولمن شاء من خلقه مَن الذين يجاهدون في سبيل الله صابرين على المشقَّات، يُظهرهم لعباده من غيرهم الذين لا يصبرون، وهو عالم بعلمه الأزلي مَن هو الصَّابرُ ومَن هو غير الصَّابر كما نقل ذلك البخاري في صحيحه عن أبي عُبيدةَ مَعمرِ بن المثنَّى وهذا شبيهٌ بقوله تعالى: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [(214)] [سورة الأنفال] .

قال القاضي المفسر ابن عطية الأندلسي في كتابه «المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز» في شرحه لقول الله تعالى: {حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ} ما نصه[(215)]: «وعِلمُ اللهِ بالمجاهدين قديم أزلي» اهـ.

قال الإمام الطحاوي في «العقيدة الطحاوية»: «وقد علِمَ الله تعالى في ما لم يزل عدد مَن يدخل الجنة وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يُزاد في ذلك العدد ولا يُنقَصُ منه، وكذلك أفعالُهُم في ما عَلِمَ منهم أن يفعلوه، وكلٌ مُيَسَّر لما خُلِقَ له» اهـ.