قوله تعالى: { فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}

قال الله تعالى: {إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [سورة الفرقان] .

روى علي بن أبي طلحة في صحيفته التي ضمنها تفسير ابن عباس رضي الله عنهما، قال ابن عباس: «هم المؤمنون كانوا قبل إيمانهم على السيئات فرغب الله بهم عن ذلك فحولهم إلى الحسنات «قوله فحولهم أي وفقهم» وقد ذكر هذه الرواية عن ابن عباس كثيرون منهم الطبري وابن كثير والفخر الرازي والسيوطي وغيرهم.

وقال الحسن البصري: «أبدلهم الله بالعمل السيِّئ العمل الصالح وأبدلهم بالشرك إخلاصًا وأبدلهم بالفجور إحصانًا وبالكفر إسلامًا» وهذا قول أبي العالية وقتادة وجماعة آخرين وهو تفسير حسن جدا.

وقال الآلوسي: «يبدل الله في الدنيا سيئاتهم حسنات» بأن يمحو سوابق معاصيهم ويثبت مكانها لواحق طاعاتهم كما يشير إلى ذلك كلام كثير من السلف».

وقال النسفي في تفسيره[(462)]: «فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات» أي يوفقهم للمحاسن بعد القبائح أو يمحوها بالتوبة ويثبت مكانها الحسنات، الإيمان والطاعة، ولم يرد أن السيئة بعينها حسنة ولكن المراد ما ذكرنا» اهـ.

وقال الفخر الرازي في «التفسير الكبير»[(463)]: «قال الزجاج: السيئة بعينها لا تصير حسنة، ولكن التأويل أن السيئة تُمحى وتكتب الحسنة مع التوبة» اهـ.

وقال أبو جعفر ابن جرير الطبري في «جامع البيان في تفسير القرءان»[(464)] وبعد سرد طويل: «وأولى التأويلين بالصواب تأويل من تأوله {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ} أعمالهم في الشرك {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} في الإسلام بنقلهم عما يسخط الله من الأعمال إلى ما يرضى، وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية لأن الأعمال السيئة قد كانت مضت على ما كانت عليه من القبح، وغير جائز تغير عين قد مضت بصفة إلى خلاف ما كانت عليه من صفتها في حال أخرى فيلزم إن فُعل ذلك كذلك أن يصير شرك الكافر الذي كان شركا في الكفر بعينه إيمانا يوم القيامة بالإسلام أو معاصيه كلها بأعيانها طاعة وذلك ما لا يقوله ذو حجا» اهـ.

وفي قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} إخبار عن فضل الله عليهم وتوفيقه إياهم أن نقلهم من حال الكفر والشرك إلى الإيمان والإسلام ومن حال المعصية إلى الطاعة، وأنه سبحانه يتفضل عليهم بإثابتهم على حسنة التوبة والإيمان ولواحق الطاعات.

وفي «حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي» للقاضي شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر الخفاجي[(465)]: «بأن يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة ويُثبت مكانها لواحق طاعاتهم.

وقال القرطبي في «الجامع لأحكام القرءان»[(466)]: «قال الحسن: قوم يقولون التبديل في الآخرة، وليس كذلك، إنما التبديل في الدنيا، يبدلهم الله إيمانًا من الشرك، وإخلاصًا من الشك، وإحصانًا من الفجور.

وقال الزجاج: ليس بجعل مكان السيئة الحسنة، ولكن بجعل مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة».

وقال الحافظ السيوطي في «الدر المنثور» عن ابن عباس أنه قال[(467)]: «فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات» فأبدلهم الله بالكفر الإسلام، وبالمعصية الطاعة، وبالإنكار المعرفة، وبالجهالة العلم». وقال[(468)]: «عن الحسن قال: التبديل في الدنيا يبدل الله بالعمل السيّئ العمل الصالح وبالشرك إخلاصا وبالفجور عفافا ونحو ذلك. وعن مجاهد قال: الإيمان بعد الشرك».

وقال الرازي في تفسيره «مفاتيح الغيب»[(469)]: «قال الزجاج: السيئة بعينها لا تصير حسنة ولكن التأويل أن السيئة تُمحى بالتوبة وتُكتب الحسنة مع التوبة».

وقال الطبري في تفسيره[(470)]: «فأبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادةَ الله، وأبدلهم بقتالهم مع المشركين قتالا مع المسلمين للمشركين، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات. وعن ابن عباس قال: بالشرك إيمانا، وبالقتل إمساكا، وبالزنا إحصانًا».

وفي كتاب تفسير ابن زمنين[(471)]: «فأما التبديل في الدنيا فطاعة الله بعد عصيانه وذكر الله بعد نسيانه».

وفي كتاب «الكشف والبيان عن تفسير القرءان»[(472)]: «قال ابن عباس وابن جبير والضّحاك وابن زيد: يعني فأولئك يبدّلهم اللهُ بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام، فيبدّلهم بالشرك إيمانا، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصانا».

وفي كتاب الحاوي[(473)]: «قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة: إن التبديل إنما يكون في الدنيا، فيبدل الله تعالى قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام فيبدلهم بالشرك إيمانًا، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصانًا، فكأنه تعالى يبشرهم بأنه يوفقهم لهذه الأعمال الصالحة فيستوجبوا بها الثواب. قال الزجاج: السيئة بعينها لا تصير حسنة، ولكن التأويل أن السيئة تُمحى وتكتب الحسنة مع التوبة والكافر يُحبط اللهُ عملَه ويثبت عليه السيئات». وقال[(474)]: «قال النحاس: من أحسن ما قيل فيه أنه يكتب موضع كافرٍ مؤمن، وموضع عاصٍ مطيع. قال مجاهد والضحّاك: أن يبدلهم الله من الشرك الإيمان وروي نحوه عن الحسن.

وفي كتاب «الهداية إلى بلوغ النهاية»[(475)]: «قال ابن عباس معناه: كانوا قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك، فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم الله مكان السيئات حسنات. أي مكان عمل السيئات عمل الحسنات. وعن ابن عباس أنه قال: يبدل بكل مكان سيئة عملها حسنة يعملها في الدنيا».

وفي كتاب «الأنوار الساطعات لآيات جامعات»[(476)]: «عن ابن عباس قال: هم المؤمنون كانوا قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك، فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم الله مكان السيئات حسنات. وقال الحسن البصري: أبدلهم الله بالعمل السيئ العمل الصالح، وأبدلهم بالشرك إخلاصا، وأبدلهم بالفجور إحصانا، وبالكفر إسلاما، وهذا قول أبي العالية، وقتادة، وجماعة ءاخرين».

وفي كتاب تفسير الشيخ المراغي[(477)]: «لكن مَن رجع عن هذه الآثام مع إيمانه وعمل الصالحات فأولئك يمحو الله سوابق معاصيه بالتوبة ويثبت له لواحق طاعته. والخلاصة، أنه يعفو عن عقابه، ويتفضل بثوابه، والله واسع المغفرة لعباده، فيثيب من أناب إليه بجزيل الثواب، ويبعد عنه شديد العقاب».

وفي تفسير القشيري المسمى لطائف الإشارات للقشيري النيسابوري[(478)]: «ويقال يبدل الله سيئاتهم حسنات فيغفر لهم ويثيبهم على توبتهم» اهـ. أي بعد إسلامهم.

وفي تفسير الخازن لعلاء الدين بن محمد بن إبراهيم البغدادي الشهير بالخازن[(479)]: «قال ابن عباس: يبدّلهم اللهُ بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام، فيبدّلهم بالشرك إيمانا، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصانا».

وفي تفسير الخطيب الشربيني المسمى السراج المنير للشيخ محمد بن أحمد الخطيب الشربيني[(480)]: «قال ابن عباس ومجاهد: هذا التبديل في الدنيا فيبدّل اللهُ تعالى قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام، فيبدّلهم بالشرك إيمانا، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا إحصانا وعفة، فكأنه تعالى يبشرهم بتوفيقهم لهذه الأعمال الصالحة فيُثبِتُ له الثواب. وقال الزجاج: إن السيئة بعينها لا تصير حسنة فالتأويل أن السيئة تُمحى بالتوبة، وتُكتب مع التوبة حسنة».