قوله تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا }

قال الله تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا } [سورة نوح]

قال القرطبي في تفسيره «الجامع لأحكام القرءان» ما نصه[(721)]: «(وإني كلما دعوتهم) أي إلى سبب المغفرة وهي الإيمان بك والطاعة لك». وقال[(722)]: «قوله تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا } أي سلوه المغفرة من ذنوبكم السالفة بإخلاص الإيمان» اهـ. أي بأن تتركوا الكفر وتسلموا.

وليس معنى الآية أن نوحا عليه السلام أمر قومه بقول «أستغفر الله» مع عبادتهم للأصنام، بل المعنى اطلبوا من الله أن يغفر لكم بدخولكم في الإسلام، بتشهدكم، فيغفر لكم.

معنى الآية اطلبوا من الله المغفرة بترك الكفر والدخول في الإسلام، فإنه يجب على مَن وقعت منه ردّة أن يعود فورًا إلى الإسلام بالنطق بالشهادتين والإقلاع عما وقعت به الردة، ولا يكفي للدخول في الإسلام قول «أستغفر الله» بدل الشهادتين، ويدل على ذلك ما رواه ابن حبان عن عمران بن حصين قال: أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ فقال: يا محمد، عبد المطلب خير لقومه منك كان يُطعمهم الكبد والسنام وأنت تنحرهم (وهذا كفر)، فقال له ما شاء الله (له أن يقوله من الرد عليه)، فلما أراد أن ينصرف قال: ما أقول قال: «قل اللهم قني شر نفسي واعزم لي على أرشد أمري»، فانطلق الرجل ولم يكن أسلم، وبعد أن دخل في دين الإسلام جاء للنبي صلى الله عليه وسلم وقال لرسول الله: إني أتيتك فقلت: علمني فقلتَ: قل اللهم قني شر نفسي واعزم لي على أرشد أمري، فما أقول الآن حين أسلمتُ قال: «قل اللهم قني شر نفسي واعزم لي على أرشد أمري، اللهم اغفر لي ما أسررت وما أعلنت وما أخطأت وما عمدت وما جهلت». والدليل فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما جاءه هذا الرجل كافرًا لم يأمره بالاستغفار باللسان لأنه لا ينفعه وهو على كفره، ثم لما جاءه وقد أسلم أمره بالاستغفار. وروى هذا الحديث أيضًا النسائي في عمل اليوم والليلة وأحمد في مسنده، وعند النسائي ذكر اسم الرجل وهو حصين.

وقد نقل الإجماع على أن الرجوع للإسلام يكون بالشهادتين، الحافظ محمد بن إبراهيم بن المنذر المتوفى سنة 318هـ في كتابه «الإجماع»[(723)]، والحافظ أبو الحسن علي بن القطان الفاسي المتوفى سنة 628هـ في كتابه «الإقناع في مسائل الإجماع»[(724)].

قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأِبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ {  [سورة التوبة]

ومعنى استغفار إبراهيم لأبيه الذي كان كافرًا وهو على كفره، أن يطلب من الله المغفرة لأبيه بالدخول في الإسلام لأن الإسلام كفارة الكفر، قال الله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [سورة الأنفال] وانتهاؤهم يكون بالدخول في الإسلام، والدخول في الإسلام يكون بالشهادتين، وعلى ذلك يُحمَل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق أبي طالب حين عرض عليه الإسلام فأبى: «لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك» أي أطلب لك من الله الهداية للإسلام فيُغفَر لك بالإسلام ، أي ما لم يوحِ الله إليَّ أنك تموت كافرًا.

قال الفخر الرازي في «التفسير الكبير» ما نصه[(725)]: «{إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [سورة النساء] ، والمعنى أنه تعالى أخبر عنهم أنه يدخلهم النار، فطلبُ الغفران لهم جار مجرى طلب أن يخلف الله وعده ووعيده وذلك لا يجوز». ثم قال[(726)]: «المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه له إلى الإيمان والإسلام، وكان يقول له: آمِن حتى تتخلص من العقاب وتفوز بالغفران، وكان يتضرّع إلى الله – يدعو لوالده – في أن يرزقه الإيمان الذي يوجب (أي يثبت له) المغفرة، فهذا هو الاستغفار، فلما أخبره الله تعالى بأنه يموت مصرًّا على الكفر، ترك تلك الدعوة» اهـ.