قوله تعالى: {فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا }

قال الله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا *إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا } [سورة الجن]

ليس في هذه الآية حجة لمن يقول إن الرسل يطلعهم الله على جميع غيبه كما يدّعي كثير من الجهال، إنما معناه أن الذي ارتضاه الله من رسول يجعل له رصدا أي حفظة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه من الشيطان، فـ (إلا) هنا ليست استثنائية بل هي بمعنى (لكن) فيفهم من الآية أن علم الغيب جميعه خاصّ بالله تعالى فلا يتطرق إليه الاستثناء فتكون الإضافة في قوله تعالى: {عَلَى غَيْبِهِ} للعموم والشمول من باب قول الأصوليين المفرد المضاف للعموم، فيكون معنى غيبه أي جميع غيبه، وليس المعنى أن الله يطلع على غيبه من ارتضى من رسول فإن من المقرر بين الموحدين أن الله تعالى لا يساويه خلقه بصفة من صفاته، ومن صفاته العلم بكل شىء قال تعالى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ} والعجب كيف يستدل بعض الناس بهذه الآية على علم الرسل ببعض الغيب إنما الذي فيها أن الله هو العالم بكل الغيب، ولكن الرسل يجعل الله لهم حرسا من الملائكة يحفظونهم. وأما اطلاع بعض خواص عباد الله من أنبياء وملائكة وأولياء البشر على بعض الغيب فمأخوذ من غير هذه الآية ومن حديث «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» . فلو كان يصحّ لغيره تعالى العلم بكل شىء لم يكن لله تعالى تمدّح بوصفه نفسه بالعلم بكل شىء، فمن يقول إن الرسول يعلم كل شىء يعلمه الله جعل الرسول مساويا لله في صفة العلم فيكون كمن قال الرسول قادر على كل شىء وكمن قال الرسول مريد لكل شىء سواء قال هذا القائل إن الرسول عالم بكل شىء بإعلام الله له أو لا فلا مخلص له من تكذيبه للدين .

وقد قال الفخر الرازي في «التفسير الكبير» ما نصه[(749)]: «وقت وقوع القيامة من الغيب الذي لا يُظهره الله لأحد» اهـ.

وقال مفتي المدينة المنورة الشيخ أحمد البرزنجي الحسيني في كتابه «غاية المأمول» ما نصه[(750)]: «ومن اعتقد تسوية علم الله ورسوله يكفر إجماعًا» اهـ.

قال تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} ، وقال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} ، فإن الله تبارك وتعالى تمدّح بإحاطته بالغيب والشهادة علما.

قال تعالى: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} فإذا كان الرسول بنصّ هذه الآية لا يعلم جميع تفاصيل ما يفعله الله به وبأمته، فكيف يتجرأ متجرئ على قول إن الرسول يعلم بكل شيء، وقد روى البخاري في الجامع حديثا بمعنى هذه الآية وهو ما ورد في شأن عثمان بن مظعون، فقائل هذه المقالة قد غلا الغلو الذي نهى الله ورسوله عنه قال الله تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والغلو فإن الغلو أهلك من كان قبلكم» رواه ابن حبان، وقد صحّ أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لا ترفعوني فوق منزلتي».