قوله تعالى: {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا}

قال الله تعالى: {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا}  [سورة التحريم]

ليعلم أن الله تعالى خالق الرّوح والجسد فليس روحًا ولا جسدًا، ومع ذلك أضاف الله تعالى روح عيسى صلى الله عليه وسلم إلى نفسه على معنى المِلكِ والتشريف لا للجزئيَّة في قوله تعالى: {مِنْ رُوحِنَا} ، قال الفخر الرازي في «التفسير الكبير» [(659)]: «وإنما أضاف الله سبحانه روح ءادم إلى نفسه تشريفًا له وتكريمًا» اهـ. وكذلك في حق ءادم قوله تعالى: {مِنْ رُوحِي} وفي حق عيسى قوله تعالى: {فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا} ، أي أمرنا جبريل عليه السلام أن ينفخ في مريم الرّوح التي هي مِلك لنا ومشرّفة عندنا.

كلتا الإضافتين للتشريف مع إثبات الملكِ أي أنهما ملكٌ لله وخلق له، فإن قيل: كل الأرواح ملك لله وخلق له فما فائدة الإضافة؟ قيل: فائدة الإضافة الدّلالة على شرفهما عند الله. ولا يجوز عقلا أن يكون الله روحًا لأن الرّوح مخلوق . وعلى مثل ذلك يحمل حديث (خلق الله ءادم على صورته) رواه البخاري، ومعناه إضافة الملك والتشريف لا إضافة الجزئية أي على الصّورة التي خلقها وجعلها مشرّفة مكرّمة.

الشىء يضاف إلى الله إما بمعنى أنه خلق له هو خلقه وكوّنه، ويضاف إلى الله على أنه صفته، فإذا قلنا «قدرة الله»، «علم الله» هذه الإضافة إضافة الصفة إلى الموصوف، أما إذا قلنا «ناقة الله»، «بيت الله» هذه إضافة المِلكِ والتّشريف، فالكعبة نسمّيها «بيت الله» وكلّ مسجد كذلك.

فالأرواح قسمان: أرواح مشرّفة وأرواح خبيثة، وأرواح الأنبياء من القسم الأول، فإضافة روح عيسى وروح ءادم إلى نفسه إضافة ملك وتشريف. ويكفر من يعتقد أن الله تعالى روح، فالرّوح مخلوقة تنزّه الله عن ذلك، قال الله تعالى: {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} .

حتى نعرف أن الله أعطى عيسى وءادم منزلة عنده أضاف روح عيسى وءادم إلى نفسه ليس على معنى الجزئية، وكما أضاف ناقة صالح إلى نفسه فقال {نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا} لما كان لها من خصوصية على غيرها من النّوق بالشأن العظيم الذي كان لها، لأنه هو خالقها هو الذي أخرجها من الصّخرة وأخرج معها فصيلها وكانت تعطي أهل البلد كفايتهم من الحليب فيأخذون منها الحليب في يوم ورودها الذي هي خصصت به الذي لا ترد مواشيهم به، فدل ذلك على مكانتها فأنزل الله على نبيه {نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا} وقد أُنذروا أن يعتدوا على ناقة الله وعلى سقياها أي اليوم الذي ترد فيه إلى الماء، ذلك اليوم لا تورد مواشيهم الماء.

وقول الإمام الأشعري «فلا يجوز وصفُ الله بالروح» الذي نقله عنه الإمام ابن فورك في كتابه «مقالات أبي الحسن الأشعري»[(660)]، يُفهَمُ منه بُطلانُ قول «يا روح» مرادًا به الله .

وقد نقل الإمام أبو منصور البغدادي الإجماع على أن حياة الإلـه بلا روح، في كتابه «الفرق بين الفرق» قال ما نصه[(661)]: «وأجمع أهل السنة على أن حياة الإلـه سبحانه بلا روح ولا اغتذاء، وأن الأرواح كلها مخلوقة» اهـ.

وقال الإمام المجتهد الحافظ محمد بن نصر المروزي: «الروح مُحدَثَةٌ بإجماع الأمة» اهـ.

وقال الفقيه الحنفي عبد الغني النابلسي في كتابه «أسرار الشريعة»: «يكفر من وصف الله بالروح».

قال إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني الشافعي المتوفى سنة 478هـ في كتابه «الشامل في أصول الدين»[(662)]: «وقد قدمنا أن الإضافة منقسمة: فمنها إضافة الملك، ومنها إضافة التشريف»، ثم قال «وهذا نحو إضافة الروح إلى الله عز وجل في قوله {فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا} [سورة التحريم] ، وقد اتفق أهل القبلة على أن وجه الإضافة في قوله {مِنْ رُوحِنَا} ما ذكرناه» اهـ.