قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا

– قال تعالى: ((قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (28) ))  [سورة الملك]

إن من أصول اعتقاد أن أهل السنة والجماعة نصرهم الله أن نبينا محمدًا ﷺ آمنٌ من عذاب الله وكذا كل الأنبياء والأولياء فليس في قوله تعالى ((قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا )) أنه يخشى عليه من العذاب في الآخرة أو أنه من أهل النار أو أنه يخاف ﷺ على خاتمته أو أنه لا يعرف نفسه أنه من الآمنين فهذا خلاف عصمة النبي وتكذيب لدين الله تعالى.

وأما معنى الآية ((قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا )) هو ما جاء وورد في كتب السير والحديث والتفاسير أن المشركين كان يدعون على
رسول الله ﷺ وصحابته رضي الله عنه بالموت والهلاك فأنزل الله على نبيه أن يقول لهم إن أماتنا الله أو رحمنا بأن أطال في أعمارنا وأخّر في آجالنا فلن ينقذكم هذا من عذاب الله فلا تتمنوا ذلك -أي هلاكنا بالموت- لأنه سواء متنا أو عُمِّرنا إن لم تؤمنوا بالله ورسوله فلا نجاة لكم ولا شافع ولا مخلص من عذاب الله في الآخرة.

قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرءان ما نصه: «أي قل لهم يا محمد -يريد مشركي مكة، وكانوا يتمنون موت محمد ﷺ؛ كما قال تعالى: ((أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ)) – أرأيتم إن متنا أو رحمنا فأخرت آجالنا فمن يجيركم من عذاب الله؛ فلا حاجة بكم إلى التربص بنا ولا إلى استعجال قيام الساعة» اهـ.

وقال الإمام المفسر السلفي محمد بن جرير الطبري في تفسيره ما نصه: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد  ﷺ: ((قل))  يا محمد  للمشركين من قومك، ))أَرَأَيْتُمْ(( أيها الناس ))إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ(( فأماتني ))وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا(( فأخر في آجالنا ))فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ(( بالله ))مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(( موجع مؤلم، وذلك عذاب النار. يقول: ليس ينجي الكفار من عذاب الله موتنا وحياتنا، فلا حاجة بكم إلى أن تستعجلوا قيام الساعة، ونزول العذاب، فإن ذلك غير نافعكم، بل ذلك بلاء عليكم عظيم» اهـ.

 

وقال الإمام الفخر الرازي في تفسيره الكبير ما نصه: «اعلم أن هذا الجواب هو من النوع الثاني مما قاله الكفار لمحمد  ﷺ حين خوفهم بعذاب الله، يروى أن كفار مكة  كانوا يدعون على رسول الله ﷺ وعلى المؤمنين بالهلاك، كما قال تعالى: : ((أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ)) [سورة الطور] وقال ((بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا)) [سورة الفتح] ثم إنه تعالى أجاب عن ذلك من وجهين:

الوجه الأول: هو هذه الآية، والمعنى قل لهم: إن الله تعالى سواء أهلكني بالإماتة أو رحمني بتأخير الأجل، فأي راحة لكم في ذلك، وأي منفعة لكم فيه، ومن الذي يجيركم من عذاب الله إذا نزل بكم، أتظنون أن الأصنام تجيركم أو غيرها، فإذا علمتم أن لا مجير لكم فهلا تمسكتم بما يخلصكم من العذاب وهو العلم بالتوحيد -أي الإيمان بالله ورسوله- والنبوة والبعث.

الوجه الثاني: في الجواب قوله تعالى: ((قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ )).

والمعنى أنه الرحمـٰن آمنا به وعليه توكلنا فيعلم أنه لا يقبل دعاءكم وأنتم أهل الكفر والعناد في حقنا، مع أنا آمنا به ولم نكفر به كما كفرتم، ثم قال: ((وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا)) لا على غيره كما فعلتم أنتم حيث توكلتم على رجالكم وأموالكم، ((وقرئ فَسَتَعْلَمُونَ )) على المخاطبة، وقرئ بالياء ليكون على وفق قوله: ))فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ((.

واعلم أنه لما ذكر أنه يجب أن يتوكل عليه لا على غيره، وذكر الدليل عليه، فقال تعالى: ((قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ)).

والمقصود أن يجعلهم مقرين ببعض نعمه ليريهم قبح ما هم عليه من الكفر، أي أخبروني إن صار ماؤكم ذاهبا في الأرض فمن يأتيكم بماء معين، فلا بد وأن يقولوا: هو الله، فيقال لهم حينئذ: فلم تجعلون من لا يقدر على شىء أصلا شريكا له في المعبودية؟» اهـ.