قوله تعالى: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ

قال تعالى: ((قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) )) [سورة سبأ]

مما لا شك فيه أن نبينا محمدًا ﷺ وصحابته الكرام على الحق والهدى بدليل آيات القرءان الكثيرة والمعجزات التي أيّد الله نبيه بها والإجماع القائم على ذلك، فمن جوّز أو شك هل النبي على حقٌّ أم لا أو يحتمل أن يكون على باطلٌ فهو مكذّبٌ للقرءان الكريم خارجٌ من الملة والإسلام .

والآية ليس فيها هذا المعنى ولا تشير إلى ذلك بل معناها يقينًا قولًا واحدًا أنه ﷺ يقول لخصومه «نحن على هدى وأنتم في الضلالة»، وسياق الآية شاهد لهذا المعنى في لغة العرب، ففي لغة العرب يقول الصادق للكاذب «أحدنا صادق» ويعني نفسه ولا يشك في ذلك والآخر كاذبٌ أي خصمه كاذبٌ، فلا تحمل هذه الكلمة على الاحتمال والشك والعياذ بالله تعالى .

قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرءان ما نصه: «وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين هذا على وجه الإنصاف في الحجة كما يقول القائل: أحدنا كاذب، وهو يعلم أنه صادقٌ وأن صاحبه كاذبٌ. والمعنى: ما نحن وأنتم على أمرٍ واحدٍ، بل على أمرين متضادين، وأحد الفريقين مهتد وهو نحن والآخر ضال وهو أنتم؛ فكذبهم بأحسن من تصريح التكذيب، والمعنى:
أنتم الضالون حين أشركتم بالذي يرزقكم من السماوات والأرض.

((أَوْ إِيَّاكُمْ)) معطوف على اسم (إن)، ولو عطف على الموضع لكان (أو أنتم) ويكون لعلى هدى للأول لا غير، وإذا قلت: (أو إياكم) كان للثاني أولى، وحذفت من الأول، ويجوز أن يكون للأول، وهو اختيار المبرد، قال: ومعناه معنى قول المستبصر لصاحبه على صحة الوعيد والاستظهار بالحجة الواضحة: أحدنا كاذب، قد عرف المعنى، كما تقول: أنا أفعل كذا وتفعل أنت كذا وأحدنا مخطئ، وقد عرف أنه هو المخطئ، فهكذا وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين. و(أو) عند البصريين على بابها وليست للشك، ولكنها على ما تستعمل العرب في مثل هذا إذا لم يرد المخبر أن يبين وهو عالمٌ بالمعنى. وقال أبو عبيدة والفراء: هي بمعنى الواو، وتقديره: وإنا على هدى وإياكم لفي ضلالٍ مبين. وقال جرير:

أثعلبة الفوارس أو رياحا   عدلت بهم طهية والربابا

يعني أثعلبة ورياحا. وقال آخر:

فلما اشتد أمر الحرب فينا    وتأملنا رياحا أو رزاما» اهـ

وقال ابن جرير الطبري في تفسيره ما نصه: «معنى ذلك: وإنا لعلى هدى وإنكم لفي ضلالٍ مبين.

ذكر من قال ذلك:

حدثني إسحاق بن إبراهيم الشهيدي قال: ثنا عتاب بن بشير عن خصيف عن عكرمة وزياد في قوله ((وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ))
قال: إنا لعلى هدى، وإنكم لفي ضلالٍ مبين.

واختلف أهل العربية في وجه دخول «أو» في هذا الموضع فقال بعض نحويي البصرة: ليس ذلك لأنه شكٌّ ولكن هذا في كلام العرب على أنه هو المهتدي قال: وقد يقول الرجل لعبده: أحدنا ضارب صاحبه. ولا يكون فيه إشكالٌ على السامع أن المولى هو الضارب.

وقال آخر منهم: معنى ذلك: إنا لعلى هدى، وإنكم إياكم لفي ضلالٍ مبين، لأن العرب تضع «أو» في موضع واو الموالاة» اهـ.

وقال الحسين بن مسعود البغوي في تفسيره معالم التنزيل ما نصه: «ليس هذا على طريق الشك ولكن على جهة الإنصاف في الحجاج، كما يقول القائل للآخر: أحدنا كاذب، وهو يعلم أنه صادقٌ وصاحبه كاذب.

والمعنى: ما نحن وأنتم على أمرٍ واحدٍ بل أحد الفريقين مهتد والآخر ضال، فالنبي -ﷺ- ومن اتبعه على الهدى، ومن خالفه في ضلالٍ، فكذبهم من غير أن يصرح بالتكذيب.

وقال بعضهم:«أو» بمعنى الواو، والألف فيه صلة، كأنه قال: وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، يعني: نحن على الهدى وأنتم في الضلال» اهـ.