قوله تعالى: { كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ }

قال الله تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [سورة البقرة]

معنى الآية كلوا من الطيب الحلال وليس معناها ما يستلذّه الإنسان ولو كان حراما، وهذا ما ذكره ابن دقيقِ العيد في «شرح الأربعين النووية»[(41)]، وقال ابن رجب الحنبلي البغدادي في «جامع العلوم والحكم» في شرحه لقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} ، وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ، «والمراد بهذا أن الرسل وأُمَمَهم مأمورون بالأكل من الطيبات التي هي الحلال» اهـ.

وقال ابن حجر المكي في كتابه «فتح المبين لشرح الأربعين» ما نصه[(43)]: «وهو الحلال الخالص من الشبهة، لأن الشرع طيّبَه لآكله وإن لم يستلذّه، وعن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه المُسْتَلَذّ أي شرعًا، وإلا فلذيذ الطعام غير المباح – أي الحرام – وبال وخسارة فيكون طعامًا ذا غُصَّة وعذابًا» اهـ.

وقال محمد بن عبد الله الجَرداني الدمياطي في كتابه «الجواهر اللؤلؤية في شرح الأربعين النووية» ما نصه[(44)]: «أي من حلال ما خلقناه نفعًا لكم. وسُمِّيَ الحلالُ طيبًا لأن الشارع طيَّبَه لآكله وإن لم يستلذّه والحرام، وإن التذَّ به آكلُهُ، يؤدي إلى العقاب فهو مضر. فقول الشافعي رضي الله تعالى عنه: «الطيب المستلذ». أراد به المستلذّ شرعًا لا حِسًّا. ألا ترى أن لحم الخنزير لذيذ وهو حرام إجماعًا، والصَّبِر – الدواء المر – لا لذة فيه وهو حلال إجماعًا» اهـ.

قال القرطبي في تفسيره «الجامع لأحكام القرءان» ما نصه[(45)]: «والطيبات هنا قد جَمَعَتَ الحلال واللذيذ» اهـ.

وقال الطبري في تفسيره «جامع البيان في تفسير القرءان» ما نصه[(46)]: «من حلاله الذي أبحناه لكم» اهـ.

فيتبيّن أن معنى «الطيبات» أي الحلال وليس معناها المستَلَذ ولو كان حرامًا، فهذا لم يقل به عالم معتبَر. فليُحذَر مما شاع بين الجهال من أنهم يحتجون بهذه الآية عند أكل المحرمات فإذا اعتُرِضَ عليهم وأُنكِرَ ذلك قالوا «قال الله تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} »، وهذا معارضٌ لما ثبت في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مُحَرِّم الحلال كمُستحِل الحرام، فما أحلَّه الشرعُ فهو الطيب المراد في هذه الآية الكريمة، وليذكر العاقل قول النبي صلى الله عليه وسلم «كل جسد نبت من حرام فالنار أولى به» .