قوله تعالى: { لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ }

قال الله تعالى: { لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } [سورة غافر]

قال المفسر القرطبي في تفسيره «الجامع لأحكام القرآن»[(566)]: «وعن النحاس: وأصح ما قيل فيه ما رواه أبو وائل عن ابن مسعود قال: يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة لم يعص الله جل وعز عليها، فيؤمر منادٍ ينادي {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} «ثم قال: «والقول صحيحٌ عن ابن مسعودٍ وليس هو مما يؤخذ بالقياس ولا بالتأويل» اهـ.

وقد قال الفقيه المفسر فخر الدين الرازي في كتابه «التفسير الكبير»[(567)] في الرد على من قال إن الله تعالى يسأل {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} فلا يجيبه وهو تعالى يجيب نفسه ويبين أنه باطل لا أصل له: «الأول: قال المفسرون إذا هلك كل من السموات ومن في الأرض فيقول الرب تعالى: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} ؟ يعني يوم القيامة فلا يجيبه أحد فهو تعالى يجيب نفسه فيقول {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } قال أهل الأصول هذا القول ضعيف وبيانه من وجوه الأول: أنه تعالى بيّن أن هذا النداء إنما يحصل يوم التلاق ويوم البروز ويوم تجزى كل نفس بما كسبت، والناس في ذلك الوقت أحياء، فبطل قولهم إن الله تعالى إنما ينادي بهذا النداء حين هلك كل من في السموات والأرض والثاني: أن الكلام لا بد فيه من فائدة لأن الكلام إما أن يذكر حال حضور الغير، أو حال ما لا يحضر الغير، والأول: باطل ههنا لأن القوم قالوا إنه تعالى إنما يذكر هذا الكلام عند فناء الكل، والثاني: أيضًا باطل لأن الرجل إنما يحسن تكلمه حال كونه وحده إما لأنه يحفظ به شيئًا كالذي يكرر على الدرس وذلك على الله محال، أو لأجل أنه يحصل سرور بما يقوله وذلك أيضًا على الله محال، أو لأجل أن يعبد الله بذلك الذكر وذلك أيضًا على الله محال، فثبت أن قول من يقول إن الله تعالى يذكر هذا النداء حال هلاك جميع المخلوقات باطل لا أصل له» اهـ.

وقال أيضًا: «إن في يوم التلاق إذا حضر الأولون والآخرون وبرزوا نادى منادٍ {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ}» انتهى كلام الرازي.

ومثل هذا الكلام ذكر محمد بن مصلح الدين مصطفى القَوجَوِيُ الحنفي في كتابه حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي[(568)]: «من أنه إذا حضر الأولون والآخرون يوم التلاق وبرزوا لله جميعًا نادى منادٍ {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ}» اهـ.

وقال القاضي أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى العمادي الحنفي في كتابه «إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم المجلد السابع»[(569)]: «أي ينادي منادٍ لمن الملك اليوم» ثم قال: «لما روي أنه يجمع الله الخلائق يوم القيامة في صعيد واحد في أرض بيضاء كأنها سبيكة فضة لم يعص الله فيها قط فأول ما يتكلم به أن ينادي منادٍ {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ }» اهـ. قال معلقا أخرجه ابن المبارك في الزهد[(570)] وابن أبي الدنيا في الأهوال[(571)] عن ابن مسعودٍ موقوفًا اهـ.

فقد تبين واتضح أن القول الصحيح المعتمد الموافق لعقيدة المسلمين أن الملَكَ هو الذي ينادي في موقف القيامة بأمرٍ من الله والملَك نفسه يجيب مُبَلِّغًا عن الله تعالى بما ورد من قوله ” لله الواحد القهار ” .