قوله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ

قال تعالى: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) )) [سورة الجمعة]

إن مما أجمع عليه علماء الإسلام ونصّ عليه القرءان أن نبينا محمدًا ﷺ بعث وهو لا يكتب الكتاب ولا يقرأه وظل على ذلك إلى أن مات أما ما يقال من أنه تعلم الكتابة والقراءة قبل الموت فهذا غير صحيح، فالصحيح والمعتمد والمجمع عليه أنه مات وهو لا يكتب ولا يقرأ، ومن الدليل على ذلك قوله تعالى في سورة العنكبوت: ((وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ)) ، ومن الأدلة هذه الآية التي نشرحها ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ ))، ومن أدل الدليل على ذلك أنه ﷺ لو كتب كما يزعمون كلمة واحدة أو رسالة واحدة لطار خبرها في الآفاق وانتشر صورها في الخافقين لأنها خط رسول الله ﷺ ولحفظتها الأمة واعتنت بها أشدّ الاعتناء ونحن الآن في سنة 1436هـ  لا توجد ورقة أو رسالة يقال إنها خط الرسول ﷺ، ورسائله التي أملاها على الصحابة فكتبوها إلى رؤساء وملوك الأرض ما زالت موجودة إلى الآن وتتناقلها الأمة والمتاحف الدولية بعناية بالغة فكيف لو وجد بخط الرسول؟! ولو كانت فأين هي إلى الآن؟! والرسول ﷺ مات ولم يكتب كلمة.

ومن الدليل على ذلك ما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري في صحيحه والنسائي في كتاب الخصائص وأحمد في مسنده وغيرهم واللفظ للنسائي عن علقة بن قيس قال: قلت لعلي: «تجعل بينك وبين ابن أكلة الأكباد حكما؟ قال: إني كنت كاتب رسول الله ﷺ يوم الحديبية فكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله وسهيل بن عمرو فقال سهيل: لو علمنا أنه رسول الله ما قاتلناه امحها، فقلت: هو والله رسول الله وإن رغم أنفك، لا والله لا أمحها، فقال رسول الله ﷺ، أرني مكانها فأريته فمحاها وقال: أما إنّ لك مثلها وأنت مضطر».

فلو كان رسول الله ﷺ يقرأ المكتوب لماذا طلب من سيدنا على رضي الله عنه أن يدله على كلمة (رسول الله) التي في الصحيفة ثم محاها هو، فلو كان قارئًا للمكتوب فأي معنى أن يقول لعلي (أرني مكانها)؟ فكان هذا من أوضح الدليل وأبينه على أنه ﷺ كما قال الله فيه ((الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ)) [سورة الأعراف]، وأمية النبي دليل نبوته لأنه ﷺ مع أميته جمع علم الأولين والآخرين ومع أنه أميّ فهو أفصح الناس وأعلم الخلق وإمام الأنبياء وسيد المرسلين ﷺ.

وقال النبي ﷺ «نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» فقد شرح الرسول هنا معنى الأمية، وهذا معناه أنه يغلب على الأمة أنهم لا يكتبون ولا يحسبون في ذلك الوقت، وليس معناه أنه ليس فيهم من يكتب أو يقرأ بالمرة، فزال الإشكال ببيان الرسول لمعنى الأمية هنا بقوله لا نكتب ولا نحسب، فبفيه الحجر.

قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرءان ما نصه: «وكان أمّيًّا لم يقرأ من كتابٍ ولم يتعلّم ﷺ.

قال الماورديّ: فإن قيل ما وجه الامتنان إن بعث نبيًّا أمّيًّا؟ فالجواب عنه من ثلاثة أوجهٍ:  أحدها: لموافقته ما تقدّمت به بشارة الأنبياء. الثّاني: لمشاكلة حالٍ لأحوالهم، فيكون أقرب إلى موافقتهم. الثّالث: لينتفي عنه سوء الظّنّ في تعليمه ما دعا إليه من الكتب الّتي قرأها والحكم الّتي تلاها. قلت: وهذا كلّه دليل معجزته وصدق نبوّته» اهـ.

وقال المفسر الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان في إيضاح القرءان بالقرءان ما نصه: «الأميين أي: العرب، والأمي: هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، وكذلك كان كثير من العرب اهـ.

وفي الحديث: «إنا أمة أمية لا نقرأ ولا نكتب ولا نحسب»، وهذا حكم على المجموع لا على الجميع؛ لأن في العرب من كان يكتب مثل كتبة الوحي، عمر وعليا وغيرهم.

وكونه -ﷺ- أميا بمعنى لا يكتب، بينه قوله تعالى: وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك.

وبين تعالى الحكمة في كونه -ﷺ- أميا مع أنه يتلو عليهم آياته ويزكيهم بنفي الريب عنه كما كانوا يزعمون أن ما جاء به ﷺ: أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه فقال: إذا لارتاب المبطلون» اهـ.

وقال الإمام الفخر الرازي في كتابه التفسير الكبير ما نصه: «الأمي منسوب إلى أمة العرب، لما أنهم أمة أميون لا كتاب لهم، ولا يقرءون كتابا ولا يكتبون. وقال  ابن عباس: يريد الذين ليس لهم كتاب ولا نبي بعث فيهم اهـ.