قوله تعالى: { وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى }

قال الله تعالى: { وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى } [سورة النجم]

قال المفسر البغوي في تفسيره «المسمى معالم التنزيل»[(631)]: «{وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى } ، أي عمل كقوله {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى } ، وهذا أيضًا في صحف إبراهيم وموسى. قال ابن عباس: هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة، بقوله {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} ، فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء. وقال عكرمة: كان ذلك لقوم إبراهيم وموسى، فأما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سعى لهم غيرهم، لِمَا رُوي أن امرأة رفعت صبيًا لها فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم ولكِ أجر. وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي افتلتت نفسها، فهل لها أجر إن تصدَّقتُ عنها؟ قال: نعم. وقال الربيع بن أنس: {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى } يعني الكافر، فأما المؤمن فله ما سعى وما سُعِيَ له» اهـ.

ومما يدل على أن هذه الأمة لهم ما سعوا وما سعى لهم غيرهم، ما رواه البخاري في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما أنها قالت: «وا رأساه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذاكِ لو كان وأنا حَيٌّ فأستغفرَ لكِ وأدعوَ لكِ» اهـ.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في «شرح البخاري» ما نصه: «(وأدعو لك) فإن هذه الكلمة تشمل الدعاء بأنواعه، فدخل في ذلك دعاء الرجل بعد قراءة شىء من القرءان لإيصال الثواب للميت بنحو قول: اللهم أوصل ثواب ما قرأت إلى فلان».

قال النووي في كتابه «الأذكار» ما نصه: «باب ما ينفع الميت من قول غيره: أجمع العلماء على أن الدعاء للأموات ينفعهم ويصلهم ثوابه واحتجوا بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ} [سورة الحشر] ، وغير ذلك من الآيات المشهورة بمعناها، وفي الأحاديث المشهورة كقوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد» أخرجه مسلم في صحيحه، وكقوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغفر لحينا وميتنا» أخرجه الترمذي في سننه، وغير ذلك» اهـ.

ومما يشهد لنفع الميت بقراءة غيره حديث معقل بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اقرءؤا {يس } على موتاكم» رواه أبو داود في سننه، والنسائي في «عمل اليوم والليلة»، وابن ماجه في سننه، وأحمد في مسنده، والحاكم في المستدرك، وابن حبان في صحيحه.

وقال الخَرَائِطي في كتاب «القبور»: «سُنةٌ في الأنصار إذا حملوا الميت أن يقرأوا معه سورة البقرة».

وروى الطبراني في «المعجم الكبير»[(632)] عن عبد الرحمـن بن العلاء ابن اللجلاج عن أبيه قال: «قال لي أبي: يا بُني إذا أنا مت فألحدني، فإذا وضعتني في لحدي فقل: بسم الله وعلى ملة رسول الله ثم سُنَّ عليَّ الثرى سَنَّا، ثم اقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك» اهـ، قال الحافظ الهيثمي في «مجمع الزوائد»[(633)]: «رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثوقون» اهـ.

وروى الطبراني أيضًا في «المعجم الكبير»[(634)] عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره وليُقرأ عند رأسه بفاتحة الكتاب وعند رجليه بخاتمة البقرة في قبره» اهـ، قال الحافظ الهيثمي: «رواه الطبراني في الكبير وفيه يحيى بن عبد الله البابلُتي وهو ضعيف» اهـ، وقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري على شرح صحيح البخاري»[(635)]: «أخرجه الطبراني بإسناد حسن» اهـ.

ومما استدل به العلماء على جواز قراءة القرءان على قبر الميت المسلم وانتفاعه بالقراءة حديث البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بحائط – بستان – من حيطان المدينة أو مكة فسمع صوت إنسانَين يُعذَّبان في قبريهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يعذبان، وما يعذبان في كبير» ثم قال: «بلى، كان أحدهما لا يستتر من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة» ، ثم دعا بجريدة فكسرها كسرتين،فوضع على كل قبرٍ منهما كِسرة، فقيل له: يا رسول الله لم فعلت هذا؟ قال: «لعله أن يُخفف عنهما ما لم يَيْبسا» أو قال: «إلى أن يَيْبسا» .

فيُستفاد من هذه الروايات جواز غرس الأشجار وقراءة القرءان على القبور، وإذا خُفِّفَ عنهم بالأشجار فكيف بقراءة الرجل المؤمن القرءان، قال النووي الشافعي في «شرح صحيح مسلم» ما نصه[(636)]: «استحب العلماء قراءة القرءان عند القبر لهذا الحديث، لأنه إذا يُرجى التخفيف بتسبيح الجريد فقراءة القرءان أولى» اهـ.

فإن قرءاة القرءان من إنسان أعظم وأنفع من التسبيح من عود، وقد نفع القرءان بعض من حصل له ضرر في حال الحياة فالميت كذلك.