قوله تعالى: وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا

– قال تعالى: ((وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) )) [سورة الإسراء]

 

يجب الاعتقاد بأن النبي ﷺ معصومٌ من ترك الإسلام ومن الوقوع في الكفر، ومعصومٌ من التحريف والتبديل ومن التقول على الله، وهو ﷺ كان من صغره وقبل النبوة ليس فيه ميل للكافرين ولا إلى عقائدهم ولا إلى فسادهم، النبي ﷺ مستحيلٌ عليه أن يفتري على الله لو اجتمع عليه جميع كفار الإنس والجن لأن الله سبحانه وتعالى عصمه، والعصمة أي الحفظ.

قال المفسر أبو حيان الأندلسي في تفسيره البحر المحيط: ((وَإِنْ كَادُوا))  قيل: لقريش، وقيل: لثقيف، وذكروا أسباب نزول مختلفة، وفي بعضها ما لا يصح نسبته إلى الرسول ﷺ، ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما عدد نعمه على بني آدم، ثم ذكر حالهم في الآخرة من إيتاء الكتاب باليمين لأهل السعادة، ومن عمى أهل الشقاوة أتبع ذلك بما يهم به الأشقياء في الدنيا من المكر والخداع والتلبيس على سيد أهل السعادة المقطوع له بالعصمة.

ومعنى ((لَيَفْتِنُونَكَ)) ليخدعونك، وذلك في ظنهم لا أنهم قاربوا ذلك إذ هو معصومٌ عليه السلام أن يقاربوا فتنته عما أوحى الله إليه، وتلك المقاربة في زعمهم سببها رجاؤهم أن يفتري على الله غير ما أوحى الله إليه من تبديل الوعد وعيدًا أو الوعيد وعدًا، وما اقترحته ثقيف من أن يضيف إلى الله ما لم ينزل عليه» اهـ.

قال القاضي أبو الفضل عياض اليحصبي في كتابه الشفا بتعريف حقوق المصطفى ما نصه: «لأن الله -تعالى- ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري، وأنه لولا أن ثبته لكاد يركن إليهم» اهـ.

وقد روي عن ابن عباس: كل ما في القرآن كاد فهو ما لا يكون، قال الله -تعالى-: ((يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ)) [سورة النور]، ولم يذهب. و أكاد أخفيها ولم يفعل.

قال القشيري القاضي: «ولقد طالبه قريش وثقيف إذ مر بآلهتهم أن يقبل بوجهه إليها، ووعدوه الإيمان به إن فعل، فما فعل، ولا كان ليفعل» اهـ.

قال ابن الأنباري: «ما قارب الرسول، ولا ركن» اهـ.

فمضمون هذا ومفهومه أن الله -تعالى- عصمه من أن يفتري، وثبته حتى لم يركن إليهم قليلًا، فكيف كثيرًا! وهم يروون أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون، والافتراء بمدح آلهتهم، -وافتروا على الرسول فنسبوا إليه هذا الحديث المكذب للدين وهو مستحيل على الرسول فزعموا أنه قال -ﷺ-: افتريت على الله، وقلت ما لم يقل، وهذا ضد مفهوم الآية، وهي تضعف الحديث لو صح، فكيف، ولا صحة له؟.

وهذا مثل قوله -تعالى- في الآية الأخرى: ((وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ)) [سورة النساء]