قوله تعالى: { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ }

قال الله تعالى: { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ } [سورة البقرة]

التقوى هي أداء الواجبات واجتناب المحرمات، ومن جملة الواجبات تعلّمُ القدر الضروري من علم الدين، فلا يكون العبد من المتقين ما لم يتعلم ما فرض الله على عباده معرفته من علم دينه، فلا يكون متقيًا مهما أتعب نفسه في العبادات وجاهد نفسه بتحمل مشقَّات العبادة وَكَفِّها عن هواها، ويغتر بعض الناس بحديث «من عمل بما عَلِم ورَّثه الله علم ما لم يعلم». هذا الحديث ضعيف الإسناد، على أن معناه ليس كما يزعمون فإن معناه: من تعلّم ما هو فرض عليه وعمل بذلك أعطاه الله من العلم الموهوب وهو العلم اللَّدُنّي، وهذا العلم غير مكتَسب وهو حرامٌ على من تقاعس عمّا افترض الله عليه.

والحجة في إثبات ذلك قول الله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} ، دلّت الآية على أن من اتقى الله تعالى هو مَن يُرزَق هذا العلم، أما مَن لم يكن من المتقّين فليس من أهل هذه الآية، فالعلم الموهوب هو العلم اللَّدنّي الذي يُرزقه الأتقياء من غير تعلّم له، كعلم تأويل المنام والدراية في أمور المعارك الذي كان لعمر بن الخطاب رضي الله عنه باع طويل به.

قال الإمام المفسر اللغوي النحوي أبو حيان الأندلسي في تفسيره «البحر المحيط»، عند شرحه لهذه الآية ما نصه[(93)]: «{وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} أي في ترك الضرار، أو في جميع أوامره ونواهيه». ثم قال: «وقيل: معنى الآية الوعد، فإن من اتقى علمه الله، وكثيرا ما يتمثل بهذه بعض المتطوعة من الجهلة الذين يتجافون عن الاشتغال بعلوم الشريعة، من الفقه وغيره، إذا ذكر له العلم والاشتغال به، قالوا: قال الله {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} . ومن أين تُعرف التقوى؟ وهل تُعرف إلا بالعلم؟» اهـ.

فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» رواه ابن ماجه والبيهقي.

قال القاضي الفقيه عبد الواحد بن إسماعيل الرّوياني (ت502هـ) في كتابه «بحر المذهب في فروع مذهب الإمام الشافعي»[(94)] شارحا لهذا الحديث: «أراد به علم ما لا يسع جهله».اهـ

كما فصّل أبو حامد الغزالي في ما يجب وجوبا عينيا على كل مكلف تعلمه من علم الدين في كتابه «إحياء علوم الدين»[(95)].

وقال الإمام العلامة جمال الدين أبو بكر الخوارزمي المتوفى سنة 383هـ في كتابه «مفيد العلوم ومبيد الهموم» ما نصه[(96)]: «الباب الثاني في فرض العين: إن الفرائض الواجبة على العباد على قسمين، منها ما هو فرض عين وتفسير فرض العين، أنه يجب على كل آدمي خاص وعام أمير ووزير، وحر، وعبد، وشيخ، وشاب مسلم، وكافر. فعلى مذهب أهل السنة والجماعة أن الكفار مخاطبون بالشرائع فرضًا واجبًا على العامة والخاصة ولجميع الناس كافة ففرض العين ما يجب على كل مكلف ولا يسقط بفعل بعض الناس عن بعض وذلك كمعرفة الله تعالى أنه حي قادر مريد، له (أي سبحانه) بعثة الأنبياء من غير وجوب عليه وأنه بعث رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة فطاعته فريضة وشريعته مؤيدة من الله أنه نبي في قبره رسول في روضته كما في حياته، ما بطلت رسالته ولا تراخت نبوته، فمعرفة فرض العين أركان الشريعة من الصلاة والزكاة والصيام والحج والعمرة وشرائط المعاملات إن كان تاجرًا وأحكام النكاح إن كان متأهلا وأحكام الوزارة والإمارة إن كان أميرًا. فيجب على كل واحد أن يعلم أن فرض عينه في اليوم والليلة سبع عشرة ركعة من الصلاة وأركانها كذا وكذا ويعرف عددها وشرائطها وكذا كيفية الزكاة ومقاديرها كم يجب وفي أي مال تجب فيه ومتى وجبت وإلى من يجب دفعها. وكذا الصيام في شهر رمضان كم أركانه وما يصححه وأي شىء يبطله ومعرفة أركان المناسك والحج فرض عين ويجب على الأمير والرئيس أن يعرف حقوق الرعية وشرط السياسة واللطف في موضعه وكيفية استيفاء الحقوق ونصرة المظلوم والجري على منهاج السياسة، والسوقي يجب عليه أن يعرف الأشياء التي يحرم بيعها والشروط الفاسدة إلى غير ذلك، وكل من يتولى أمرًا يجب عليه فرض عين أن يحصل لنفسه علم ذلك الشىء من الحلال والحرام الذي لا يسعه جهله ومن تركها وغفل عنها فلا يعذر في القيامة ويسأل عنه حرفًا حرفًا ويجازى عليه ألفًا ألفًا» اهـ.