قوله تعالى: وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا

– قال تعالى: ((وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88)  ))[سورة يونس]

ليعلم أن موسى عليه الصلاة والسلام نبيٌّ رسولٌ فلا يرضى بالكفر لأحد، بل هو بُعِثَ وأُرْسِلَ ليحارب الكفر، ويخرج الناس منه إلى الهدى والإسلام، فليس في هذه الآية أنه راضٍ لهم بالكفر أو أنه يتمنى لهم أن يبقوا عليه، بل دعاؤه في معرض التشديد والتنكيل، أي كأنه يقول «اللهم ضاعف لهم العذاب»، ومن اعتقد أن موسى يرضى لهم أن يبقوا على الكفر أو تمنى لهم ذلك فهو مكذب للدين لأنه نسب الكفر لنبي الله موسى عليه الصلاة والسلام.

قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرءان ما نصه: «وقد استشكل بعض الناس هذه الآية فقال: كيف دعا عليهم وحكم الرسل استدعاء إيمان قومهم؛ فالجواب أنه لا يجوز أن يدعو نبيٌ على قومه إلا بإذن من الله، وإعلام أنه ليس فيهم من يؤمن ولا يخرج من أصلابهم من يؤمن؛ دليله قوله لنوح عليه السلام: ((أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ))  وعند ذلك قال: ((لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا)) الآية. والله أعلم» اهـ.

قال المفسر أبو حيان الأندلسي في كتابه البحر المحيط ما نصه: «لما بالغ موسى عليه السلام في إظهار المعجزات وهم مصرون على العناد، واشتد أذاهم عليه وعلى من آمن معه، وهم لا يزيدون على عرض الآيات إلا كفرًا، وعلى الإنذار إلا استكبارًا، وعلم بالتجربة وطول الصحبة أنه لا يجيء منهم إلا الغي والضلال، أو علم ذلك بوحيٍ من الله تعالى، دعا الله تعالى عليهم بما علم أنه لا يكون غيره كما تقول: لعن الله إبليس وأخزى الكفرة. كما دعا نوح على قومه حين أوحي إليه ((أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ))  وقدم بين يدي الدعاء ما آتاهم الله من النعمة في الدنيا، وكان ذلك سببًا للإيمان به ولشكر نعمه، فجعلوا ذلك سببًا لجحوده ولكفر نعمه» اهـ.

وقال ابن حجر الهيتمي في كتابه «الإعلام بقواطع الإسلام» ما نصه: «فدعا الله بقوله ((رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ)) لأنه يجوز أن موسى علم عدم إيمانهم»، ثم نقل قاعدة عامة في ص34 ما نصه: «وإن أراد بقاءه على الكفر أو الرضا ببقائه عليه كفر، وفي «سلبه الله الإيمان» لمسلم و «لا رزقه الله الإيمان» لكافر إن أراد سؤال الكفر للمسلم أو البقاء عليه للكافر أو رضي بذلك كفر».