قوله تعالى: { وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ}

قال الله تعالى: { وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [سورة التوبة]

هذه الآية نزلت لمّا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين في المدينة، فتصوّر بعض الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم، صلى على عبد الله بن أبي ابن سلول وهو يعلم كفره، والحق فيها أن النبي صلوات ربي وسلامه عليه كان يظنه مسلما حين صلى عليه، خاصة أن عبد الله بن أبي المنافق لجأ إلى الخداع في مرض موته فطلب قميص النبي صلى الله عليه وسلم ليكفن به، وأظهر الندم، وكان يخاطبه بـ يا نبي الله وهو عليه الصلاة والسلام مأمور بأن يقبل من الناس ظواهرهم.

فلا يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم عرف يقينا كُفْرَ عبد الله بن أبي ابن سلول ويستغفر له [لأنه يستلزم مشروعية طلب المغفرة لمن تستحيل المغفرة له شرعا وقد ورد إنكار ذلك في قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} ] اهـ.

ما بين قوسين نقلا عن الفتح من كلام الحافظ ابن حجر العسقلاني[(223)] ثم نقل[(224)] منه عن ابن المنير وغيره: [لأن الله أخبر أنه لا يغفر للكفار وإذا كان لا يغفر لهم فطلب المغفرة لهم مستحيل وطلب المستحيل لا يقع من النبي صلى الله عليه وسلم ومنهم من قال إن النهي عن الاستغفار لمن مات مشركا لا يستلزم النهي عن الاستغفار لمن مات مظهرا الإسلام لاحتمال أن يكون معتقده صحيحا وهذا جواب جيد] اهـ.

ذلك أن الذي يمنع من الاستغفار للكافر الأصلي والمنافق (ولكل من عُلِمَ موتُه على الكفر، حتى المرتد) إن علمنا نفاقه أي علمنا كفره علة واحدة وهي الكفر، فصار الاستغفار له بعد العلم بموته على الكفر والصلاة عليه مع ما فيها من الاستغفار رد لنصوص الدين، لما في ذلك من التلاعب بالدين، حيث جاء النهي والمنع من الصلاة على الكفار وقد مات أبو طالب في مكة ولم يصل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا المعنى فتنبه.

ومعنى المنافق هو من كان يظهر الإسلام ويبطن الكفر، فإذا انكشف لنا حاله حكمنا بكفره وامتنع على كل من علم بحاله معاملته معاملة المسلم، ويشمل ذلك منع الصلاة عليه.

ولو علم رسول الله صلى الله عليه وسلم موت ابن أبي ابن سلول تلك الساعة على الكفر لما استغفر له.

وقال أبو محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي المفسر في كتابه «المحرر الوجيز» ما نصه[(236)]: «وظاهر صلاته عليه أن كفره لم يكن يقينا عنده – أي عند النبي -، ومحال أن يصلي على كافر، ولكنه راعى ظواهره من الإقرار ووكل سريرته إلى الله عزّ وجل وعلى هذا كان ستر المنافقين من أجل عدم التعيين بالكفر… إلى أن قال: وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لموضع إظهاره الإيمان، ومحال أن يصلي عليه وهو يتحقق كفره وبعد هذا والله أعلم عُيِّنَ له من لا يصلي عليه» اهـ.