قوله تعالى: { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ }

قال الله تعالى: { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ } [سورة يوسف] .

قال أبو الحسن علي بن أحمد السبتي الأموي المعروف بابن خُمَير في كتابه «تنزيه الأنبياء عما نَسَبَ إليهم حُثالة الأغبياء» ما نصه[(237)]: «فصل. تفصيلٌ في معنى (الهَمّ) وتوضيح. فإن قيل: فما الحق الذي يُعوَّل عليه في هذا الهمّ؟ فنقول: أولا: إن بعض الأئمة ذكروا أن الإجماع منعقد على عصمة بواطنهم من كل خاطر وقع فيه النهي» اهـ.

وقال الفخر الرازي في «التفسير الكبير» ما نصه[(238)]: «(كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) وذلك يدل على أن ماهية السوء والفحشاء مصروفة عنه». ثم قال: «ورب العالمين شهد ببراءته عن الذنب، وإبليس أقر ببراءته أيضًا عن المعصية، وإذا كان الأمر كذلك، فحينئذٍ لم يبقَ للمسلم توقّف في هذا الباب» اهـ.

وقال الشيخ حسن أفندي حميدان الحنفي في كتابه «العقود الفاخرة في ما يُنجي بالآخرة»[(239)]: «وتحت هذا الأصل فروع كثيرة ذكرت وفي الفتاوى الهندية معزيًا لليتيمة سئل عمن ينسب إلى الأنبياء الفواحش كعزمهم على الزنا ونحوه الذي يقوله الحشوية في يوسف عليه السلام قال يكفر لأنه شتم لهم واستخفاف بهم» اهـ.

قال الله تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } [سورة يوسف] ، وقال تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } [سورة يوسف]

ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مادحا يوسف عليه السلام بقوله: «إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» رواه البخاري.

وأما قوله تعالى إخبارا عن يوسف: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [سورة يوسف] معنى {وَهَمَّ بِهَا} أن جواب لولا محذوف يدل عليه ما قبله أي ولولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها فلم يحصل منه همّ بالزنى لأن الله أراه برهانه.

وقال بعض المفسرين من أهل الحق إن معنى {وَهَمَّ بِهَا} أي همّ بدفعها، أي أن الله أعلمه بالبرهان أنك يا يوسف لو دفعتها لقالت لزوجها دفعني ليجبرني على الفاحشة، فلم يدفعها بل أدار لها ظهره ذاهبا فشقت قميصه من خلف، فكان الدليل عليها. أما ما يروى من أن يوسف همّ بالزنى وأنه حلّ إزاره وجلس منها مجلس الرجل من زوجته فإن هذا باطل لا يليق بنبي من أنبياء الله تعالى، قال الله تعالى في براءة يوسف: {قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ } [سورة يوسف] .

قال المفسر أبو حيان في «النهر الماد» ما نصه[(241)]: «وما أحسن هذا التنصل من الوقوع في السوء استعاذ أوَّلا بالله الذي بيده العصمة وملكوت كل شىء ثم نبَّه على أن إحسان الله إليه لا يناسب أن يُجازى بالسوء، ثم نفى الفلاح عن الظالمين وهو الظفر والفوز بالبغية، فلا يناسب أن أكون ظالمًا أضع الشىء غير موضعه» اهـ.

قال ابن الجوزي في تفسيره «زاد المسير»[(242)]: «ولا يصح ما يروى عن المفسرين أنه حل السراويل وقعد منها مقعد الرجل، فإنه لو كان هذا لدلَّ على العزم والأنبياء معصومون من العزم على الزنا» اهـ.

وقال فخر الدين في تفسيره «التفسير الكبير»[(243)]: «إن يوسف عليه السلام كان بريئًا عن العمل الباطل والهم المحرم، وهذا قول المحققين من المفسرين والمتكلمين وبه نقول وعنه نذب» اهـ.

وقال المفسر اللغوي أبو حيان الأندلسي في تفسيره «النهر الماد»[(244)]: «الذي نقوله: إن يوسف عليه الصلاة والسلام لم يقع منه هم بها ألبتة بل هو منفي لوجود رواية البرهان كما تقول: قارنت لولا أن عصمك الله» اهـ.

قلنا: هذا هو الحق الذي يجب المصير إليه واعتقاده والذب عنه فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام منزهون عن الهم المحرم ومن تسلط الشيطان على قلوبهم فلا يحصل منهم الهم بالزنا ولا إرادة ذلك والقصد على فعله.

فيتلخص مما ذكرناه أن الله عصم الأنبياء عن الرذائل ونزههم عنها، ويوسف عليه السلام لم تشتهيها نفسه ولا أراد أن يواقعها ولم يهم بذلك، هذا هو اللائق بالنبي وهذا ما نعتقده وهو اعتقاد المسلمين.