قوله تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ

– قال تعالى: ((وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) ))[سورة الحاقة]

إن مما أجمعت عليه الأمة أن رسول الله ﷺ معصوم من أن يفتري على الله أو أن يقول ما هو خلاف القرءان ومعصوم من الفتوى بغير علم فمستحيل عليه ﷺ أن يتقول على الله ومن زعم ذلك فهو مكذب بالله العظيم ويكفي في الرد عليه من حيث العقل أنه لو كان كذلك لما ظهرت على يديه معجزة واحدة تصدقه بل لظهر ما يكذبه كما حصل لمسيلمة الكذاب لعنه الله ومعجزات نبينا محمد ﷺ بلغت في حياته ألف وخمس مئة وقيل ثلاثة آلاف وقيل غير ذلك كما قال بعض العلماء.

وأما قول الله تعالى ((وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ))  أي مستحيل عليه أن يتقول علينا فلا يحصل منه ذلك البتة ولا بأي وجه من الوجوه.

والأقاويل هنا أي الباطلة، والأقاويل جمع الجمع وهو أقوال وأقوال جمع قول وسميت الأقوال المتوّلة أقاويل تصغيرا لها وتحقيرا.

وقال المفسر التونسي المالكي محمد الطاهر بن عاشور في كتابه التحرير والتنوير في تفسير هذه الآية ما نصه: «ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين هذه الجملة عطف على جملة لا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون فهي مشمولة لما أفادته الفاء من التفريع على ما اقتضاه تكذيبهم بالبعث من تكذيبهم القرآن ومن جاء به وقال: إنه وحي من الله تعالى، فمفاد هذه الجملة استدلال ثان على أن القرآن منزل من عند الله تعالى على طريقة المذهب الكلامي، بعد الاستدلال الأول المستند إلى القسم والمؤكدات على طريقة الاستدلال الخطابي. وهو استدلال بما هو مقرر في الأذهان من أن الله واسع القدرة، وأنه عليم فلا يقرر أحدا على أن يقول عنه كلاما لم يقله، أي لو لم يكن القرآن منزلا من عندنا ومحمد ادعى أنه منزل منا، لما أقررناه على ذلك، ولعجلنا بإهلاكه. فعدم هلاكه -ﷺ- دال على أنه لم يتقوله على الله، فإن (لو) تقتضي انتفاء مضمون شرطها لانتفاء مضمون جوابها. فحصل من هذا الكلام غرضان مهمان: أحدهما: يعود إلى ما تقدم أي زيادة إبطال لمزاعم المشركين أن القرآن شعر أو كهانة إبطالا جامعا لإبطال النوعين، أي ويوضح مخالفة القرآن لهذين النوعين من الكلام أن الآتي به ينسبه إلى وحي الله وما علمتم شاعرا ولا كاهنا يزعم أن كلامه من عند الله. وثانيهما: إبطال زعم لهم لم يسبق التصريح بإبطاله وهو قول فريق منهم افتراه، أي نسبه إلى الله افتراء وتقوله على الله قال تعالى أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فبين لهم أنه لو افترى على الله لما أقره على ذلك. ثم إن هذا الغرض يستتبع غرضا آخر وهو تأييسهم من أن يأتي بقرآن لا يخالف دينهم ولا يسفه أحلامهم وأصنامهم، قال تعالى ((قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ )) وهذه الجملة معطوفة عطف اعتراض فلك أن تجعل الواو اعتراضية فإنه لا معنى للواو الاعتراضية إلا ذلك. والتقول: نسبة قول لمن لم يقله، وهو تفعل من القول صيغت هذه الصيغة الدالة على التكلف؛ لأن الذي ينسب إلى غيره قولا لم يقله يتكلف ويختلق ذلك الكلام، ولكونه في معنى كذب عدي ب (على). والمعنى: لو كذب علينا فأخبر أنا قلنا قولا لم نقله إلخ. و(بعض) اسم يدل على مقدار من نوع ما يضاف هو إليه، وهو هنا منصوب على المفعول به ل (تقول). والأقاويل: جمع أقوال الذي هو جمع قول، أي بعضا من جنس الأقوال التي هي كثيرة فلكثرتها جيء لها بجمع الجمع الدال على الكثرة، أي ولو نسب إلينا قليلا من أقوال كثيرة صاد» اهـ.

وقال المفسر الفخر الرازي في تفسيره الكبير ما نصه: «اعلم أن حاصل هذه الوجوه أنه لو نسب إلينا قولا لم نقله لمنعناه عن ذلك. إما بواسطة إقامة الحجة فإنا كنا نقيض له من يعارضه فيه، وحينئذ يظهر للناس كذبه فيه، فيكون ذلك إبطالا لدعواه وهدما لكلامه، وإما بأن نسلب عنده القدرة على التكلم بذلك القول، وهذا هو الواجب في حكمة الله تعالى؛ لئلا يشتبه الصادق بالكاذب. المسألة الثانية: الوتين هو العرق المتصل من القلب بالرأس الذي إذا قطع مات الحيوان، قال أبو زيد: وجمعه الوتن و[يقال] ثلاثة أوتنة والموتون الذي قطع وتينه، قال  ابن قتيبة:  ولم يرد أنا نقطعه بعينه بل المراد أنه لو كذب لأمتناه، فكان كمن قطع وتينه، ونظيره قوله عليه السلام: «ما زالت أكلة خيبر  تعاودني فهذا أوان انقطاع أبهري «والأبهر عرق يتصل بالقلب، فإذا انقطع مات صاحبه، فكأنه قال: هذا، أو أن يقتلني السم وحينئذ صرت كمن انقطع أبهره» اهـ.

وقال ابن كثير في تفسيره ما نصه: «يقول تعالى((وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا )) أي: محمد  ﷺ لو كان كما يزعمون مفتريا علينا، فزاد في الرسالة أو نقص منها، أو قال شيئًا من عنده فنسبه إلينا، وليس كذلك، لعاجلناه بالعقوبة» اهـ.