قوله تعالى: { يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ }

قال الله تعالى: { يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ } [سورة التحريم] .

ليعلم أن قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} ليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم اجتهد في أمر ديني وأخطأ فيه فهذا لم يقله عالم من علماء المسلمين قط، بل ولا سُمِعَ من عاقل ، لأن الأمة أجمعت على عصمة النبي من الخطأ في الدين، ولم يقله مفسّر من المفسرين، وليس فيه أنه صلى الله عليه وسلم حرَّم شيئًا أحله الله له، وإنما أطبق علماء التفسير على أن النبي صلى الله عليه وسلم منع نفسه من شرب العسل في بيت بعض زوجاته لأجل بعضهن الآخر، ولم يُحرّم التحريم الشرعي إنما هو التحريم اللغوي وهو المنع، أي لِمَ تمنع نفسك مما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك، فهو التحريم اللغوي وليس الشرعي، كما تقول «حرَّمتُ على نفسي أن أدخل دارَك» أو «حرمت على نفسي أن آكل اللحم» أو «حرمت على نفسي أن أشرب الشاي»، أي منعت نفسي من ذلك، ومن زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم حرَّم شيئًا أحلَّه الله فقد أعظم الفِرية على الله وعلى رسوله وكذَّبَ القرءان ونفى عصمة الأنبياء، وقال بما يؤدي إلى تخوين النبي صلى الله عليه وسلم وأنه غير مؤتمن على شرع الله، وهذا معارض لقول الله عز وجل: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى } ولقوله سبحانه وتعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} .

قال بدر الدين الزركشي في كتابه «تشنيف المسامع»[(649)]: «إن القول الصحيح أن النبي إذا اجتهد لا يخطىء» اهـ.

هذا وقد قال العلامة ابن أمير الحاج في كتابه «التقرير والتحبير» ما نصه[(650)]: «وقيل بامتناعه أي بامتناع جواز الخطإ على اجتهاده – أي لايجوز الخطأ على اجتهاده – نقله في الكشف وغيره عن أكثر العلماء

وقال الإمام الرازي والصفي الهنديّ إنه الحق وجزم به الحليمي والبيضاوي

وذكر السبكي أنه الصواب وأن الشافعي نصّ عليه في مواضع من الأمّ لأنه أولى بالعصمة عن الخطإ من الإجماع لأنّ عصمته أي الإجماع عن الخطإ لنسبته إليه أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وللزوم جواز الأمر باتباع الخطإ لأننا مأمورون باتباعه صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [سورة ءال عمران] ، إلى غير ذلك» اهـ.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»[(651)]: «عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يشربُ عسلا عند زينبَ ابنةِ جَحْش ويمكث عندها، فواطيتُ أنا وحفصة عن أيَّتُنا دخلَ عليها فلتقل له أكلتَ مَغافير؟ إني أجِدُ منكَ ريحَ مغافير، قال: لا، ولكنِّي كنتُ أشربُ عَسلا عند زينبَ ابنةِ جحش فلن أعودَ له، وقد حلفتُ لا تُخبري بذلك أحدًا» اهـ.

قال القرطبي في «الجامع لأحكام القرءان»[(652)]: «ولا يُحرِّم قول الرجل (هذا عليّ حرام) شيئًا حاشا الزوجة». ويقول[(653)]: «(تبتغي مرضات أزواجك) أي تفعل ذلك طلبًا لرضاهن». ثم قال: «والصحيح أنه معاتبة (معاتبة لطيفة والمعاتبة تكون أحيانًا لترك شىء مباح وليس شرطًا أن تكون لارتكاب محرمٍ) على ترك الأولى، وأنه لم تكن له صغيرة ولا كبيرة» اهـ.

وقال الإمام أبو منصور الماتريدي في تفسيره «تأويلات أهل السنة»[(654)]: «قوله عز وجل {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} هذا في الظاهر فظيع بأن يحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحل الله له، ومن قال بأنه حرم ما أحل الله، فقد قال قولا منكرا، وذلك كفر منه، إذ من حرم ما أحل الله تعالى كان كافرا، ومن كان اعتقاده في رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا، فهو كافر». ثم قال: «ما سبق إليه ظن بعض الجهال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم شيئًا أحله الله تعالى، ومن توهم هذا في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد حكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكفر». ثم قال: «تحريم ما أحل الله تعالى هو أن يعتقد تحريم المحلل، وتحليل المحرم في ما حرم الله تعالى مطلقًا، فمن اعتقد تحريمه حكم عليه بالكفر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعتقد تحريم ما أحل الله تعالى، إذ لم يَرَ جماعها – أي أَمَتِهِ – عليه محرّما». وقال[(655)]: «أو أُريدَ بالتحريم منع النفس عن ذلك مع اعتقاده بكونه حلالا، لا أن يكون قصد به قصد تحريم عينه،وقد يمتنع المرء عن تناول الحلال لغرض له في ذلك، وهو كقوله تعالى: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ} [سورة القصص] ، ولم يرد به تحريم عينه ولا التحريم الشرعي، إذ الصبي ليس من أهله، وإنما أُريدَ به امتناعه من الارتضاع إلا من ثدي أمه، فعلى ذلك هاهنا، والله أعلم». ثم قال: «{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} ، أي: لا يبلغنَّ بك الشفقة عليهن وحسن العشرة معهن مبلغًا تمتنع عن الانتفاع بما أحل الله لك ، فيخرج هذا مخرج تخفيف المؤنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حسن العشرة معهن، لا مخرج النهي والعتاب عن الزلة» اهـ.

وقال محمد بن أحمد الخطيب الشربيني المصري المتوفى 977هـ في كتابه «تفسير الخطيب الشربيني» المسمى «السراج المنير»[(656)]: «وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له أمةٌ يطؤها فلم تزل عائشةُ وحفصة حتى حرَّمها على نفسه – أي امتنع عن وطئها – فأنزل الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} [(657)]، فإن قيل قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} يوهم أن الخطاب بطريق العتاب وخطاب النبي صلى الله عليه وسلم يُنافي ذلك لِمَا فيه من التشريف والتعظيم؟ أُجيب بأنه ليس بطريق العتاب بل بطريق التنبيه». ويقول[(658)]: «فإن قيل (تحريم ما أحل الله غير ممكن فكيف قال «لِمَ تُحَرّم ما أحل الله لك» أُجيبَ بأن المراد بهذا التحريم هو الامتناع من الانتفاع بالأزواج لا اعتقاد كونه حرامًا بعدما أحلَّه الله تعالى والنبي صلى الله عليه وسلم امتنع من الانتفاع بها مع اعتقاد كونها حلالا فإن من اعتقد أن هذا التحريم هو تحريم ما أحل الله فقد كذب الدين ، فكيف يُضافُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم». ثم قال: «وإن قال لطعامٍ «حرَّمتُهُ على نفسي فلا شىء عليه» وهذا قول ابن مسعود رضي الله عنه وإليه ذهب الشافعي» اهـ.