قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ }

قال الله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } [سورة القلم]

معنى هذه الآية أي يكشف يوم القيامة عن شدة شديدة وهولٍ شديد، أي عن أمر شديد بالغ في الصعوبة، أما المشبهة فيقولون والعياذ بالله {عَنْ سَاقٍ} أي الله تعالى يكشف عن ساقه.

قال ابن الجوزي في تفسيره «زاد المسير»[(696)]: «وقد روى عكرمة عن ابن عباس: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} قال: يُكشَفُ عن شدَّةٍ، وأنشد: وقامت الحربُ بنا على ساق. وهذا قول مجاهد وقتادة» اهـ.

{وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ} هذا السجود سجود امتحان حتى يتميّز المؤمنون الذين كانوا يسجدون لله تعالى عن نيّة وإخلاص من المنافقين الذين كانوا يتظاهرون بالإسلام ولم يكونوا مسلمين إنما كانوا يسجدون في الدّنيا مع المسلمين أحيانا، أي حتى ينكشف أمر هؤلاء وينفضحوا، يأمر الله الناس بالسجود، فالمؤمنون يسجدون وأما المنافقون فلا يستطيعون لأن ظهورهم لا تطاوعهم على السجود فيفتضحون.

وأما قوله تعالى: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ } أي ساق العباد يكشف عن شدة.

قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري في فتح الباري شرح صحيح البخاري[(698)]: «أما الساق فجاء عن ابن عباس في قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} قال: عن شدة من الأمر، والعرب تقول قامت الحرب على ساق إذا اشتدت، ومنه: قد سن أصحابك ضرب الأعناق وقامت الحرب بنا على ساق.

وقال الخطابي كما نقل البيهقي في «الأسماء والصفات»[(699)]: تهيب كثير من الشيوخ الخوض في معنى الساق، ومعنى قول ابن عباس إن الله يكشف عن قدرته التي تظهر بها الشدة، وأسند البيهقي في الأسماء والصفات أيضا الأثر المذكور عن ابن عباس بسندين كل منهما حسن وزاد: إذا خفي عليكم شىء من القرآن فابتغوه من الشعر، وذكر الرجز المشار إليه، وأنشد الخطابي في إطلاق الساق على الأمر الشديد: في سنة قد كشفت عن ساقها.» اهـ. ومثل ذلك نقل الإمام المحدث الأصولي أبو بكر ابن فورك في كتابه «مشكل الحديث وبيانه»[(700)] عن أبي موسى الأشعري وابن عباس.

وذكر البيهقي في «الأسماء والصفات»[(701)]: قال ابن عباس: هذا يوم كرب وشدة. وتابعه أبو كريب عن ابن المبارك، وقال أبو سليمان وقال غيره من أهل التفسير والتأويل في قوله: «يوم يكشف عن ساق» أي عن الأمر الشديد.

وقال الحافظ المفسر ابن الجوزي في كتابه «الباز الأشهب»[(702)] في الآية: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} ما نصه: «قال ابن عباس ومجاهد وابراهيم النخعي وقتادة وجمهور العلماء يكشف عن شدة، وأنشدوا: وقامت الحرب بنا على ساق. وقال عاصم بن كليب: رأيت سعيد بن جبير غضب وقال: يقولون يكشف عن ساقه، وإنما ذلك عن أمر شديد».

وقال بدر الدين العيني الحنفي ت (855هـ) في كتابه «عمدة القاري شرح صحيح البخاري»[(718)]: «قوله (يكشف ربنا عن ساقه) من المتشابهات، ولأهل العلم في هذا الباب قولان: أحدهما: مذهب معظم السلف أو كلهم تفويض الأمر فيه إلى الله تعالى والإيمان به، واعتقاد معنى يليق لجلال الله عز وجل، والآخر: هو مذهب بعض المتكلمين أنها تتأول على ما يليق به، ولا يسوغ ذلك إلا لمن كان من أهله بأن يكون عارفا بلسان العرب وقواعد الأصول والفروع، فعلى هذا قالوا: المراد بالساق هنا الشدة، أي: يكشف الله عن شدة وأمر مهول وكذا فسره ابن عباس» اهـ.

وقال شهاب الدين أحمد بن محمد الشافعي القسطلاني ت (923هـ) في كتابه «إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري»[(719)]: «وأخرج الإسماعيلي من طريق حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} قال الإسماعيلي هذه أصح لموافقتها لفظ القرآن والله تعالى يتعالى عن شبه المخلوقين» اهـ.