وقالت الأعراب آمنّا

قال الله تعالى: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [سورة الحجرات]

هذه الآية نزلت في بني أسد الذين أظهروا الإسلام في سنة مجدبة طالبين الصدقة ولم تكن قلوبهم مطمئنة بالإيمان أظهروا الإسلام وكانوا يؤدون صورة الصلاة وراء النبي والنبي لم يُكشف له أمرهم إلا بعد نزول الآية فأخبرهم الله تعالى بأن الإيمان ليس بالقول فحسب إنما هو بالقلب فما آمنتم ولكن قولوا أسلمنا أي انقدنا واستسلمنا، فمن هنا لا يجوز أن يتوهم متوهم أن الآية في سورة الحجرات تعطي معنى أن الإسلام والإيمان من حيث الشرع مختلفان وقد مر معنا أن الإسلام في الآية معناه الانقياد ظاهرا وهذا معناه اللغوي، وأما من حيث الشرع فقد عرفنا معنى الإسلام ومعنى الإيمان ولذلك قال علماء الأمة: فلا يصح أن يكون العبد عند الله مسلما غير مؤمن أو مؤمنا غير مسلم .

وسنذكر إن شاء الله أقوال بعض المفسرين في هذه الآية لزيادة الإيضاح.

منهم أبو حيّان الأندلسي المتوفى سنة 754هـ قال في «النهر الماد من البحر المحيط» ما نصه[(607)]: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا} : قال مجاهد: نزلت في بني أسد بن خزيمة قبيلة تجاور المدينة أظهروا الإسلام وقلوبهم دخلة إنما يحبون المغانم وعرض الدنيا فردّ الله عليهم بقوله {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} كذبهم الله تعالى في دعوى الايمان ولم يصرح بأكاذيبهم بلفظه بل بما دل عليه من انتفاء إيمانهم وهذا في إعراب مخصوصين {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} فهو اللفظ الصادق من قولكم وهو الانقياد والاستسلام ظاهرا، فلذلك قال الله تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} وجاء النفي بـ {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} الدالّة على انتفاء الشىء إلى زمان الإخبار به».اهـ

وقال الإمام عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي المتوفى سنة 710هـ في تفسيره ما نصه[(608)]: «{قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا} أي بعض الأعراب لأن من الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر، وهم أعراب بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة فأظهروا الشهادة يريدون الصدقة ويمنون عليه {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا} أي ظاهرا وباطنا.

{قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} ) لهم يا محمد {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} لم تصدّقوا بقلوبكم {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} فالإيمان هو التصديق، والإسلام هو الدخول في السلم والخروج من أن يكون حربا للمؤمنين بإظهار الشهادتين، ألا ترى إلى قوله: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} فاعلم أنه ما يكون من الإقرار باللسان من غير مواطأة القلب فهو الإسلام وما واطأ فيه القلب اللسان فهو إيمان وهذا من حيث اللغة، وأما في الشرع فالإيمان والإسلام واحد كما عرف».اهـ

وقال الإمام علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي المعروف بالخازن المتوفى سنة 725هـ في كتابه تفسير الخازن ما نصه[(609)]: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا} الآية نزلت في نفر من بني أسد قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنةٍ مجدبة فأظهروا الإسلام ولم يكونوا مؤمنين في السر فأفسدوا طرق المدينة بالقذارات وأغلوا أسعارها وكانوا يغدون ويروحون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: أتتك الأعراب بأنفسهم على ظهور رواحلها وجئناك بالأثقال والعيال والذراري ولم نقاتلك كما قاتلتك بنو فلان وبنو فلان، يمنّون على رسول الله بذلك ويريدون الصدقة، ويقولون: أعطنا، فأنزل الله فيهم هذه الآية: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا} أي صدّقنا {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} أي لم تصدقوا بقلوبكم {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} أي استسلمنا وانقدنا مخافة القتل والسبي {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} أخبر أن حقيقة الإيمان هو التصديق بالقلب، وأن الإقرار باللسان وإظهار شرائعه بالأبدان لا يكون إيمانا دون التصديق بالقلب والإخلاص فالمؤمن والمسلم واحد عند أهل السنة».اهـ

وفي كتاب تفسير الجلالين للسيوطي والمحلي في تفسير هذه الآية: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا} نفر من بني أسد {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا} صدقنا بقلوبنا {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} لهم {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} انقدنا ظاهرًا».اهـ

فائدة: قال الإمام ابن الجوزي المتوفى سنة 596هـ في كتابه «زاد المسير» وصفهم الله عز وجل بالإيمان والإسلام لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم».اهـ

وهذا دليل آخر واضح، ففي قوله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا} الآية في [سورة الصافات] .

يقول النسفي رحمه الله: {فَلَمَّا أَسْلَمَا} انقادا لامر الله وخضعا.

قال الله تعالى: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} . أي انقاد لمشيئته الكل، الكافر والمؤمن.

أما قوله تعالى: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} .

هذه الآية تعني أن أولئك الأعراب الذين يتظاهرون بالإسلام يتشهّدون ويصلّون مع المسلمين، وقلوبهم لم تؤمن.

فالله تبارك وتعالى يخبر نبيّه بأن هؤلاء الذين يقولون ءامنا ولم تؤمن قلوبهم أي لم يعتقدوا صحة الإسلام، لا يعتقدون أن الإسلام في نفوسهم صحيح وهم يدّعون أنهم آمنوا وهم لم تؤمن قلوبهم، قل لهم لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا أي انقدنا انقيادًا ظاهرًا أي استسلمنا هذا إسلام لغوي ليس إسلامًا شرعيًا، لأنه في اللغة: [أسلم الرجل لفلان] معناه: انقاد له، خضع له.

{قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} أي انقدنا، استسلمنا ظاهرًا، هذا معناه، ليس معناه أننا أسلمنا إسلامًا شرعيًا ما أسلموا إسلامًا شرعيًا، لأن الإسلام الشرعي لا يصح إلا مع التصديق القلبي، إلا مع الإيمان القلبي، الإسلام الشرعي لا يصح إلا مع الإيمان القلبي، والإيمان القلبي أي التصديق وحده بدون نطق بالشهادة لا ينفع .

هذه الآية: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا} كثير من الناس يفهومونها على غير وجهها، وهذا وجهها أن الإسلام المذكور فيها معناه الإسلام اللغوي وهو الانقياد ليس الدخول في دين الإسلام، لأن الإسلام أي العمل الظاهر الشهادتان والصلاة ونحو ذلك لا يكون معتبرًا عند الله تعالى إلاّ مع التصديق إلاّ مع الإيمان القلبي، والإيمان القلبي وحده لا يكفي بل لا بد أن يجتمعا، أن يجتمع الأمران: النطق بالشهادة باللسان والإيمان القلبي، لا بد من اجتماع هذين الأمرين عندئذ يكون مسلمًا لأنه نطق، ويكون مؤمنا لأنه صدّق بقلبه».