ِوقَلبُهُ مُطمَئِنٌّ بالإيمَان

قال الله تعالى: { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [سورة النحل] .

مما اتفق عليه أهل الإسلام أنه يجب على كل مسلم مكلف حفظ إسلامه وصونه عما يُفسده ويُبطله ويقطعه وهو الردة والعياذ بالله تعالى، ومن تكلم بكلمة الكفر الصريحة في الكفر وهو يفهم معنى ما يقول، ليس مسلما ولا يُسأل عن نيته وعن قصده، ولا يُشتَرط للوقوع في الكفر أن يكون شارحا صدره ولا ناويًا الكفر ولا عالمًا بحكم هذه الكلمة أنها تُخرجه من الإسلام، ولا يُشترط أن ينوي الخروج من الإسلام والدخول في دين آخر، ومن جعل ذلك أو شيئًا منه شرطًا للوقوع في الكفر فقد جاء ببهتان عظيم ودين جديد وفتح باب الكفر على مصراعيه للناس، وكأنه يقول (يا أيها الناس قولوا ما شئتم من الكفر ثم قولوا «ما نوينا»، «ما قصدنا») وهذا لا يقوله مؤمن.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسًا يهوي بها في النار سبعين خريفًا» وفي رواية «لا يلقي لها بالاً» وفي رواية أخرى «ما يتبين فيها» ، وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسًا يهوي بها أبعد مما بين المشرق والمغرب» ،فلم يشترط رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه هذا أن يكون الشخص ناويًا ومعتقدَا وقاصدًا الانتقال من الإسلام إلى غيره، ومع ذلك قال بأنه ينزل بهذه الكلمة إلى قعر جهنم، ولا يصل إلى قعر جهنّم إلا الكفار. فقوله صلى الله عليه وسلم «يهوي بها في النار سبعين خريفًا» دليل على أن الإنسان قد يعتقد اعتقادًا أو يفعل فعلا أو يقول قولا هو كفرٌ ولا يرى بذلك بأسًا أي لا يرى فيه معصية وهو في الحقيقة كفرٌ فيكون في جهنم في مكان لا يكون فيه عصاة المسلمين بل الكفار، لأن المسلم العاصي لا يصل إلى ذلك الحد. فما أبعد كلام هؤلاء من هذا الحديث.

وقال البدر الرشيد الحنفي في رسالة له في بيان الألفاظ الكفرية: «من كفر بلسانه طائعًا – أي غير مكره – وقلبه مطمئن بالإيمان إنه كافر ولا ينفعه ما في قلبه ولا يكون عند الله مؤمنًا لأن الكافر إنما يُعرف من المؤمن بما ينطق به فإن نطق بالكفر كان كافرًا عندنا وعند الله». وقال: «من تكلم بكلمة توجب الكفر وأضحك به غيره كفِّر» اهـ.

ولم يشترط أحد من علماء المسلمين اعتقادَ معنى لفظ الكفر في غير المكره.

والإمام المجتهد المطلق محمد بن جرير الطبري في «تهذيب الآثار» يقول: «فيه الرد على من قال لا يخرج أحد من الإسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالمًا فإنه مبطل لقوله في الحديث: يقولون الحق ويقرؤون القرءان ويمرقون من الإسلام ولا يتعلقون منه بشيء، ومن المعلوم أنهم لم يرتكبوا استحلال دماء المسلمين، وأموالهم إلا بخطأ منهم فيما تأولوا من ءاي القرآن على غير المراد منه»