قوله تعالى: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ

– قال تعالى: ((وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) ))[سورة الشعراء]

يجب الاعتقاد أن كل نبي من أنبياء الله يكون مطمئنًا على آخرته وأنه لا عذاب عليه لا في القبر ولا في مواقف القيامة ولا في جهنم، فهم أفضل خلق الله على الإطلاق وأتقى خلق الله وهم المتمسكون بشريعة الله باطنًا وظاهرًا فليس على أحد منهم نكدٌ أو فزعٌ أو خوفٌ أو قلقٌ في آخرته لأن الله سبحانه قال ((إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ)) ، والأنبياء سادات الأبرار وأبرّ الخلق لربهم، وقال سبحانه ((وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)) ، وقال جلّ جلاله ((إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا)) أي هم عن النار مبعدون.

وأما هذه الآية ((وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)) وقوله تعالى ((إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)) [سورة يونس]، وعدد من الآيات والأحاديث ورد فيها عن بعض الأنبياء في مقام التضرع إلى الله عز وجل والدعاء والتذلل بذكر «فاغفر لي» أو «تب علي» أو «إني كنت من الظالمين» أو «أعوذ برضاك من سخطك» أو بما شابه ذلك وهي ألفاظ كثيرة، كل ذلك لا يعني أنهم يخافون على آخرتهم أو أنهم يعذبون لأن الله وعد بإنجاء الأتقياء وإكرامهم، والله مستحيلٌ أن يخلف وعده وإنما هو كما بينّا في معرض مناجاتهم لربهم وتضرعهم وتعليمًا لأممهم وأقوامهم أن يكثروا من التضرع والدعاء.

وقال بعض العلماء يجوز أن يكون استغفار بعض الأنبياء على الذنب الصغير الذي ليس فيه خسة ولا دناءة، ومثل هذا يجوز على الأنبياء ولكن يتوبون منه فورا قبل أن يطلع عليه الناس.

ثم إن الاستغفار لا يكون دائما لذنب سبق، فقد يكون أحيانًا للترقي في الدرجات كما في حديث رسول الله ﷺ: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة»، وهو ليس عليه ذنوبٌ، فمثل هذا يكون للترقي في علو الدرجات والمقامات.

وكذلك إذا قال الصبي -والصبي هو الذي دون البلوغ أي ليس مكلفًا- أستغفر الله، فمعناه يا رب احفظني من سفاسف الأمور أو لمحو الأثر القبيح وكذلك إذا قال المصلون في صلاة الجنازة على الطفل الصغير «اللهم اغفر له» وهو ليس عليه ذنب فيكون معناه «استره في آخرته».

ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله عصم أنبياءه من الكفر والشرك والكبائر وصغائر الخسة قبل النبوة وبعدها.

قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرءان ما نصه: «لا تجوز عليهم الكبائر لأنهم معصومون عنها. وهذا من إبراهيم إظهار للعبودية وإن كان يعلم أنه مغفورٌ له» اهـ.