أبو بكر الصديق وفتوح الشام

وكان أبو بكرٍ وجَّهَ جيوشًا إلى الشامِ بعدَ أن أنهى أمرَ الردة لم يجلس ليستريحَ ، ما قالَ الآن استقرَّ ملكي أتمتعُ بهذه الدنيا ما قال دعوني أرتاح ولا الصحابةُ قالوا ذلك ، هذا معَ العلمِ بأنَّ من كان يخرجُ للقتالِ وقتَ ذلك كان يخرج تطوعًا ما كان يأخذُ مالًا مقابلَ ذلك إنما كان يقول لهم الخليفةُ في ناحيةِ كذا وكذا بحاجةٍ للجند من يخرج إليهما ، فيتطوعُ الناس فإذا اجتمع العددُ الذي يرضاه أمَّرَ عليهم واحدًا وأرسلَهم ، فكانوا يتركونَ أهلِيهِم وأموالَهُم وتجاراتِهِم وأعمالَهُم ويخرجونَ إلى أرضٍ لا يعرفونها ليسَ يتنزهزنَ إنما ليخاطروا بأنفسهم في سبيلِ الله ، فاسْتَنْفَرَ أبو بكرٍ الناسَ إلى ناحيةِ الشامِ ، فسلكَ المسلمون من عدةِ نواحٍ إلى تلكَ البلادِ فبلغَ ذلك الرومَ ، فكتبوا إلى ملكِهِم هرقلَ فنزلَ فخرج هرقلُ حتى نزل بحمصَ قريبًا منهم وأعدَّ الجندَ وعبَّأَ جيشًا ضخمًا وأرسلَ لمواجهةِ جيوشِ المسلمين الأخرى جيوشًا أخرَ ، أَمَّرَ أخاه على جيشٍ وآخرينَ على جيوشٍ أخرى بعض جيوشِ الروم كان فيه تسعون ألفِ مقاتلٍ وبعضها ستون ، وكلُّ جيوش المسلمين مجتمعةً واحدٌ وعشرون ألفًا ، وإنما رأى جيوشَ المسلمين متفرقةً وكلُّ جيش قليلُ العدد جدًا فأرسل تلك الجيوشَ الضخمةَ حتى يبيدوهم بسهولةٍ ، عند ذلك أحدُ قادةِ المسلمين أرسلَ لبقية القادةِ قال لهمُ الرأيُ أن نجتمع حتى نكون في موضعٍ واحدٍ ليقويَ بعضُنا بعضًا ونستطيعَ مواجهةَ تلك الجيوشِ ، وأرسلوا إلى أبي بكر فكتبَ إليهم بنفسِ الرأيِ قال لهم تجتمعوا حتى تكونوا جيشًا واحدًا فَالْقَوا زحفَ المشركين كلِّهم بجيشكم كلِّهم فإنَّكم تَنصرونَ دينَ اللهِ ومن كان في مثلِ عددِكم إذا اجتمعوا لا يُهزمونَ بسببِ قلةٍ وإنما يهزمونَ من تلقاءِ الذنوبِ فاحتَرِسُوا منَ الذنوبِ ، فَعَمِلَ المسلمونَ بذلك واجتمعوا في موضعٍ واحدٍ وأرسلَ أبو بكرٍ إلى خالدٍ يقولُ له : نصفُ الجيشِ الذي في العراقِ اذهبْ بهِ إلى الشام لِتُعِينَ المسلمين الذينَ هناك ، فانتقى خالدٌ تسعةَ آلافِ رجلٍ ممن كانوا في العراقِ وتَوَجَّهَ بهم إلى الشام ، ومكثَ وصارَ في قيادةِ الجيشِ في العراقِ المثنى بنُ حارثةَ عندما أراد أن يُقَسِّمَ الجيشَ انتقى كلَّ أصحابِ الرسولِ وجعلهمْ في جيشِهِ فيمن يريدُ أن يأخذَهم ، المثنى ما قَبِلَ قال له أبو بكر نقتسمُ العسكرَ بالسَّوِيَّةِ لا أرضى إلا أن يكونَ النصفُ أو قليلٌ منَ النصفِ معي والباقي معك وإنما أرجو النصرَ ببركتهم كيفَ تأخذهم مني ، ففعلَ خالدٌ ما طلبَهُ ثمَّ حتى لا يَمُرَّ على الرومِ أخذَ طريقًا صعبًا جدًا حتى لا يتأخرَ عن نجدةِ المسلمينَ وليسَ في الطريقِ ماءٌ يكفي هذا الجيشَ كلَّه فتعْطش الإبلُ فترك الإبلَ حتى عطشتْ عطشًا كثيرًا ثم سقاها فشربت كثيرًا ، ففعلَ لها شيئا يمنعها من اجترارِ الماء أي إخراجِ الماء من بطنِهَا ثم سلكُوا تلك الطريقَ فكانَ كلُّ يومٍ يذبحونَ قسمًا من هذه الإبلِ فيأكلون لحومَها والماءُ الذي في بطونِهَا يسقونَه لخيلِهِم ، حتى وصلوا  إلى موضعٍ حفروا فيهِ فوجدوا ماءً بعدما كانَ نَفِذَ الماءُ الذي معهم ، فطلعَ خالدٌ على المسلمين بسرعةٍ ما توقعوها ولم يكن للمسلمينَ قائدٌ واحدٌ إنما اجتمعوا في ذلك الموقع وكلٌ منهم قائدٌ على جيوشِه ، واجتمعَ الرومُ في مقابِلِهم بعددٍ ضخمٍ وكان عددُ جيشِهِم مائتان وأربعون ألف مقاتلٍ وأما المسلمونَ فبعد أن كَمُلَ ما جاءَهم من النجداتِ وهي أربعون ألفًا ، عند ذلكَ قال خالدٌ لقادةِ الجيوشِ : هذه موقعةٌ شديدةُ الأهميةِ وأبو بكر بعيدٌ عنَّا فدعونا نتداولُ الأمرَ ونقررُ شيئًا نظنُّ أنَّه لو كانَ موجودًا بيننا لكانَ قرَّرَهُ ، وهو ما أرسلَكُم إلا وهو يعتقدُ فيكم أنكم ستَتَطاوعونَ فيما بينكم ، ولو أنَّه يرى الآن الرومَ كيفَ هم مجتمعونَ لكان أمَّرَ عليكم رجلًا واحدًا ، فدعونا نتعاونُ فيما بيننا ونجعل الإمارةَ كلَّ يومٍ لواحدٍ منَّا فيكونُ أميرًا على الكلِّ ، فوافقوا على ذلك وأمروه في اليومِ الأولِ ، وفي ذلك اليومِ خرج الرومُ على المسلمينَ في تعبئةٍ ما رأى المسلمونَ مثلَها من قبلُ ، فعند ذلك قسَّمَ خالدٌ الجيشَ إلى كراديسَ ، إلى كتائبَ متفرقةٍ إلى أربعين كتيبة ، كل واحدةٍ منها نحوٌ من ألفِ رجلٍ ، الذين في الميمنةِ جعلهم كراديسَ هنا طائفةٌ وهنا طائفةٌ والذين في الخلفِ جعلهم كراديسَ والذين في الميسرةِ جعلهم كذلك كراديسَ ، قال لهم عدوُّكم في عددٍ ضخمٍ وهذه الطريقةُ برأيِ العينِ تعطي أن عددَكم أكبرُ مما هو ، كلُّ كردوس فيه كفايةٌ للقتال وينجدُه البقيةُ عندَ الحاجةِ ، ثم صارَ المسلمون يتلونَ سورةَ الأنفال وكانت عادَتُهم أن يقرأوها قبلَ القتالِ وهذه المعركةُ يقالُ لها اليرموك ، يقال شهدَها نحوُ ألفٍ من الصحابةِ فيهم نحوُ مائةٍ ممن شهدَ بدرًا وصارَ بعضُ أشرافِ المسلمين يطوفُ على كل كردوس يحمسونهم ويقولونَ إنَّكم أنصارُ الإسلامِ وإنهم أنصارُ الشركِ فاصبروا ، ثم في ذلك الوضعِ جاءَ رجلٌ برسالةٍ منَ المدينةِ فقال لخالدِ بن الوليدِ : أبو بكر ماتَ وتولى الخلافةَ عمرُ وإنه عزلكَ وولى أبا عبيدةَ قيادةَ الجيش ، وكتمَ خبرَ وفاةِ أبي بكر عن الناسِ وأخبرَ أبا عبيدةَ بالأمرِ واتفقا على كتمانِ الأمرِ كأنه ما حصلَ حتى لا يؤثر ذلك على المسلمين ، ثم هذا الرسولُ الذي جاء انضمَّ إلى جيشِ المسلمين ، وخرجَ أحدُ كبارِ قادةِ الرومِ يطلبُ خالدًا ليكلمَه ، فخرجَ إليه خالدٌ فوقفا بين الصَّفين فقالَ هذا الروميُّ واسمه جورجَا قال له : أخبرني ، اللهُ أنزلَ سيفًا فأعطاكَ إياهُ نبيُّكم ولا تقاتلُ به قومًا إلا هزمتَهم ؟ قال له : لا قال له إذًا لماذا سماكَ سيفَ اللهِ ؟ قال لأن النبيَّ قال لي أنتَ سيفٌ من سيوفِ اللهِ ودعا لي بالنصر فلهذا سميتُ سيفَ الله ، فسأله عنِ الإسلامِ فخالدٌ شرحَ له ، قال له الآنَ إلى ماذا أنت تدعوني ؟ فقال له أن تشهدَ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه فقالَ فإن لم أُجِبْ قال فالجزية قال فإن لم أجب قال فالقتال قال فإذا دخل إنسان في دينكم ماذا تكونُ منزلته ؟ فقال يجبُ عليه مثلُ ما أوجبَ اللهُ علينا قال فلهُ أجرٌ كما لكم ؟ فقال نعم ،عند ذلك قال له أشهد أنْ لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ثم ذهبَ فاغتسلَ وصلى ركعتين فلما ذهب إلى ناحيةِ المسلمين هجم الرومُ ووقعتِ الحربُ بين المسلمينَ وبينهم ، فكان ممنِ استشهدَ ذلك اليوم هذا الرجلُ ما صلى إلا هاتين الركعتين فكان القتالُ شديدًا جدًا من الصباحِ إلى غروبِ الشمس ، ثم أثناء القتالِ لاحَظَ خالدٌ أنه صارَ هناك فرجةٌ أي فسحةٌ بينَ خيلِ الروم وبين مشاتِهم ، فهجمَ بالجنودِ الذين معه ووصلوا بينَ الرَّجَّالةِ والفرسان ثم أفسحوا مجالًا لخيل الروم بالهربِ فصار الرجالة من غيرِ خيلٍ تحميهِم فانقَضَّ عليهمُ المسلمون وقتلوا منهم عددًا ضخمًا ، وكان عشراتُ الآلاف منهم مقترنينَ بالسلاسلِ حتى لا يهربوا فصاروا يتراجعون أثناءَ القتالِ حتى وصلوا إلى ناحيةٍ فيها وادٍ حتى إذا قُتِلَ واحدٌ منهم وقعَ وجرَّ معهُ كلَّ البقيةِ في الوادي ، فيقالُ قُتِلَ هناك نحوُ عِشرونَ ومائةُ ألفٍ من الرومِ بينهم قادةُ ذلك الجيش وأظهرَ المسلمونَ في ذلك اليوم شجاعةً عظيمةً ، واحدٌ منهم هو ابنُ أبي جهلٍ عكرمةُ قال أنا قاتلتُ رسولَ الله أما اليومَ لا ثم قال من يبايعني على الموتِ ؟ من يمضي معي فنقاتلَ حتى نموتَ ؟ فبايعَهُ جمعٌ من شجعانِ المسلمين وكانوا نحوَ اربعمائةٍ فقاتلوا حتى استشهدوا جميعًا ما رجعَ منهم واحدٌ إما قُتِلَ وإما جُرِحَ جراحاتٍ ما عادَ يستطيع الحراكَ بسببها وممن قُتِلَ عكرمةُ هذا وابنُه ، حتى نساءُ المسلمين قاتَلْنَ في ذلك اليومِ بعضُهُنَّ خَرَجْنَ في جولةٍ وقَاتَلْنَ وأصيبَ بعضٌ منهنَّ ، وقال شخصٌ لخالدٍ قبلَ المعركة ، الرومُ كثير ما ترى أن نتراجعَ ونحن نحامي عن أنفسنَا فقال بالروم تخوفني وإنما تكثرُ الجيوشُ بالنصر وتَقِلُّ بالخذلان ، يعني أنَّ الجيشَ مهما كان عددُه إذا كان مخذولا فهو مخذولٌ والجيشُ الذي شاءَ اللهُ له النصرَ لا بدَّ أن ينتصرَ مهما كان عدده .

ملاحظة : لما عزلَ عمرُ خالدًا أتفقَ خالدٌ وأبو عبيدةَ أن لا يُظهِرُوا ذلك اتفقَا أن يتصرفَ خالدٌ كأنه هوَ الأميرُ ولم يقل سأتركُ الجيشَ وأرجعُ إلى المدينةِ .

أبو بكر سألَ بعضَ الناسِ قبلَ أن يُرسلهم معَ الجيوشِ كانوا ولاةً في بعضِ المواضعِ قال لهم أنتم تتولونَ وتديرونَ الأمورَ هنا وهناك ، تريدونَ هذا أم أرسلكم معَ جيوش المسلمين فأجابوه إنما نحن كالسهمِ في يدكَ ترميهِ كما تشاءُ ، فأرسلهم معَ الجيش تركوا أماكنَهم وذهبوا للقتال ، أبو بكر ما استعانَ بواحدٍ كان قد ارتدَّ ثم رجعَ للإسلام قال لا أريدُ أن أستعينَ بهم رغمَ كلِّ ما اجتمع في مقابلِ المسلمين ، كان يقولُ هؤلاء ذوي النياتِ القويةِ هؤلاء يفعلون ما لا يفعله غيرُهم لا أريد أنْ أستعينَ بأولئك .

عمرُ كانَ حكيمًا أراد أنْ يعلمَ الناسُ أنَّ النصرَ من عندِ اللهِ إن كانَ خالدٌ في الجيشِ أو لم يكن فالمسلمونَ ينتصرونَ مِن عندِ اللهِ ، أرادَ أن يُثَبِّتَ هذا في قلوبِهم .