أسباب الهجرة النبوية الشريفة وبعض أبرز محطاتها

قصة الهجرة النبوية الشريفة وبعض أبرز محطاتها

 

إن الله شرف المدينة بهجرة خير البرية، وضاعف الأجر لمن صلى بروضته العطرة الشذية، وجعل هجرته شمسا أطلعها على الأمة الإسلامية، يقول الله تعالى: {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} [سورة التوبة: آية 40].

في البداية أريد أن أجيب على سؤال قد يجول في خاطر البعض وهو: ما السبب في تعظيم المسلمين للهجرة النبوية المباركة؟ أقول كيف لا يعظمونها وهي تتعلق بنبيٍّ عظيم كل ما فيه عظيم؟ كيف لا يُبجلِّونَها وهي تتعلق برسول كل ما فيه بركة؟ كيف لا نحبُّ هذه الذكرى وحب صاحبها محفور في قلب كل واحد من المسلمين؟ فالأفئدة تحن إليه، والعيون تقر به، والقلوب تأنس به.

بيان سبب الهجرة النبوية

وأما الكلام عن سبب الهجرة فهو أنه لمّا اشتد البلاء على المسلمين من المشركين حيث ضيّقوا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالون من الشتم والأذى، فشكا ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واستأذنوه في الهجرة، فقال عليه الصلاة والسلام: “إني أُرِيتُ دار هجرتكم ذاتَ نخل بين لابتين” رواه البخاري، ثم مكث أياما ثم خرج عليه الصلاة والسلام إلى أصحابه مسرورا فقال: “قد أُخبرتُ بدار هجرتكم وهي يثرب، فمن أراد الخروج فليخرج إليها” ذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى، فجعل المسلمون يتجهزون ويترافقون ويخرجون ويخفون ذلك، وكان أول من قَدِمَ المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو سلمة بن عبد الأَسَد، فقد هاجر قبل بيعة العقبة بسنة.

 فهجرة النبي صلى الله عليه وسلم كانت امتثالا لأمر الله عز وجل وليس جبنا وهربا فإن ذلك مستحيل على الأنبياء فهم متصفون بالشجاعة فيستحيل عليهم الجبن، ثم النبي صلى الله عليه وسلم أوتي قوة أربعين رجلا من الأشداء.

بيان بعض أحداث الهجرة النبوية

لما سمع سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر الصحابة بأنه جاء الإذن في الهجرة، تجهَّز رضي الله عنه للهجرة إلى المدينة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “على رِسلِك، فإني أرجو أن يؤذن لي” رواه البخاري، فقال أبو بكر رضي الله عنه: وهل ترجو ذلك؟ بأبي أنت، فقال عليه الصلاة والسلام: “نعم”. فحبس أبو بكر رضي الله عنه نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم لِيَصحَبَهُ، وعَلَفَ راحلتين كانتا عنده أربعة أشهر.

ثم جاء الإذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة، فقد قالت عائشة رضي الله عنها: فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحو الظهيرة، وقال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعا -أي مغطِّيا رأسه- في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر رضي الله عنه: فداء له أبي وأمي، ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر؟.

قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن، فأذن له، فدخل فقال عليه الصلاة والسلام لأبي بكر: “أَخرِجْ من عندك”، فقال أبو بكر: إنما هم أهلُك، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال: “فإني قد أُذِنَ لي في الخروج”، فقال أبو بكر رضي الله عنه: الصحابة -أي أريد مصاحبتك- بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “نعم”.

وكانت قريش قد اجتمعت في دار الندوة يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر النبي صلى الله عليه وسلم حين خافوه، وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزَّحمة فاعترضهم إبليس -لعنه الله- وكان بصورة شيخ نجدي، فوقف على باب الدار، فلما رأوه واقفا على بابها قالوا: من الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتَّعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى أن لا تَعْدَموا منه رأيا ولا نصحا. قالوا: أجل فادخل. فدخل معهم، وقد اجتمع فيها رجال من قريش فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، وإنا والله ما نأْمَنُه على الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا فأجمعوا فيه رأيا.

فتشاوروا ثم قال قائل منهم: احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا، ثم تربَّصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله زهيرا والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم.

فقال الشيخ النجدي-لعنه الله-: لا والله ما هذا لكم برأي، والله لو حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتموه دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي فانظروا في غيره.

ثم قال قائل منهم آخر: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فإذا خرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع، إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وأُلفتنا كما كانت.

فقال الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته قلوب الرجال بما يأتي به والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم في بلادكم، فيأخذ أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد، دبِّروا فيه رأيا غير هذا.

فقال أبو جهل بن هشام: والله إن لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد.

قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟

قال: أرى أن تأخذوا من كل قبيلة فتى شابا جلْدا نسيبا وسيطا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يَعْمِدُوا إليه بأجمعهم فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه فنستريح منه، فإنهم إن فعلوا ذلك تفرّق دمه في القبائل جميعا، فلم يقدر بنو مناف على حرب قومهم جميعا، فرضوا من بالعقل فعقلناه لهم.

فقال الشيخ النجدي -أخزاه الله-: القول ما قال الرجل، هذا الرأي لا أرى غيره.

وتفرّق القوم على ذلك وهم مجمعون له.

فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “لا تَبِتْ هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه وأخبره بمكر القوم”.

فلما كانت العتمة من الليل اجتمع المشركون على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرصدونه متى ينام فيثبون عليه، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم مكانهم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه:

“نَمْ على فراشي وتَسَجَّ ببُردي هذا الحضرميِّ الأخضر فنَمْ فيه فإنه لن يخلُص إليك شىء تكرهه منهم” وطلب منه أن يرد الأمانات إلى أصحابها.

ثم خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حَفنةً من تراب في يده، وأخذ الله عز وجل أبصارهم عنه فلم يروه فجعل يذري ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات: {يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم تنزيل العزيز الرحيم} إلى قوله تعالى: {فأغشيناهم فهم لا يبصرون} [سورة يس] فلم يبقَ منهم رجل إلا وقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسه ترابا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب. فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال: ما تنتظرون ههنا؟ قالوا: محمدا. قال: خيّبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟ فوضع كل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب فنظروا في البيت فوجدوا عليا على الفراش فقالوا: والله إن هذا لمحمد نائما عليه برده. فلم يزالوا كذلك حتى أصبحوا، فقام علي رضي الله عنه من الفراش. فقالوا: والله لقد صدقنا الذي كان حدثناه.

فخرج نبينا صلى الله عليه وسلم مع صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه على راحلتين، وقالت عائشة رضي الله عنها: فجهزناهما أحثّ الجهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فبذلك سميت ذات النطاقين.

ثم وصلا إلى غار ثور وانطلَقَ المشركونَ كَالوُحُوشِ الكَاسِرَةِ يَنْتَشِرُونَ في طَريقِ المدينَةِ المنَوَّرَةِ حَتَّى وَصَلُوا الغَارَ. وَحَمَى اللهُ تعالَى حَبيبَهُ بِخَيْطِ العَنْكبوتِ أَوْهَنِ البُيوتِ، وَجَاءَتْ حَمَامةٌ بَاضَتْ على فَمِ الغَارِ فَأَعْمَى اللهُ تعالَى أَبْصَارَ المشْرِكينَ عَنْ رُؤْيَةِ المصْطَفَى، وَسَمِعَ الرسولُ العظيمُ صلى الله عليه وسلم وصاحبُهُ أَقْدَامَ المشركينَ تخفقُ مِنْ حَولِهم، فأخَذَ الرَّوْعُ والخوفُ أبَا بَكْرٍ على حبيبِه الرسولِ عليه السلامُ وَصَارَ يَهْمِسُ يُحَدِّثُ قُرَّةَ عَيْنِهِ مُحَمَّدًا وَيَقُولُ لَهُ: “يَا رسولَ اللهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَنْظُرُ إلَى قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنا”، فأجابَهُ النبيُّ المتَوَكِّلُ علَى خَالِقِهِ ومولاه: “يَا أبا بَكرٍ ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثالِثُهُمَا” أي نَاصِرُهُما معناه: ثالثهما بالنصر والمعونة والحفظ والتسديد. فَإِنَّ التَّحَيُّزَ في الجِهَةِ والمكانِ مِنْ صِفَاتِ المخْلُوقِ أمَّا رَبُّنَا فَهُوَ مَوْجُودٌ بِلا مَكانٍ وَلا جِهَةٍ.

ولما مضت ثلاث ليال خرج النبي صلى الله عليه وسلم مع صاحبه متوجهين إلى المدينة المنورة سالكين طريقا غير طريق القوافل، وفي شهر ربيع الأول سنة أربع عشرة من البعثة وصل الركب المبارك إلى قباء فاستقبلهم الناس بفرحة غامرة، وكان يوما مشهودا لم تشهد المدينة مثله في تاريخها.

اللهم أعد علينا هذه الذكرى بالخير والبركة والأمن والأمان.