أم حبيبة رضي الله عنها

أم حبيبة رضي الله عنها

الحمدُ لله خلق كل شيء فقدّره تقديرًا والصلاة والسلام على سيدنا محمد من أرسله الله للناس بشيرًا ونذيرًا. إنها أمُّ حَبيبةَ رَمْلَةُ بنتُ أبي سفيان، وأمُّها صفيةُ بنت أبي العاص بن أمية عمة عثمان بن عفان. كنيت بابنتها حبيبة بنت عبيد الله بن جحش وكانت من السابقين إلى الإسلام وهاجرت إلى الحبشة. تزوجها النبيّ     سنة سبع من الهجرة، وكان لها يوم قَدِمَ بها المدينة بضعٌ وثلاثون سنة.

روى الحاكم في المستدرك وابن سعد في الطبقات عن أم حبيبة أنها قالت: رأيت في النوم عبيد الله بن جحْش زوجي بأسوأ صورةٍ وأشْوَهِه ففزعت. فقلت: تغيَّرتْ والله حاله. فإذا هو يقول حيث أصبح: يا أمَّ حبيبة إنّي نظرتُ في الدِّين فلم أر دينًا خيرًا من النَّصرانيّة وكُنتُ قد دِنتُ بها. ثمَّ دخلتُ في دين مُحمَّد ثمَّ قد رجعتُ إلى النّصرانيّة. فقلت: والله ما خيرٌ لك.

وأخبرته بالرّؤيا التي رأيت له فلم يَحْفل بها وأكبَّ على الخمر حتّى مات فأرى في النوم كأنَّ آتيًا يقول: يا أمَّ المؤمنين. ففزعت فأوّلتُها أنَّ رسول الله يتزوَّجني. قالت: فما هو إلا أن انقضت عدَّتي فما شعرتُ إلا برسول النَّجاشيِّ على بابي يستأذن فإذا جارية له يقَال لها أبرهة كانت تقومُ على ثيابه ودهنه فدخلت عليَّ فقالت: إنَّ الملك يقول لك: إنَّ رسول الله     كتب إليَّ أن أزوِّجَكَه. فقالت: بشَّرك الله بخير. قالت: يقول لك الملك وكّلي منْ يزوِّجك. فأرسلتْ إلى خالد بن سعيد بن العاص … فلمَّا كان العَشِيُّ أمر النَّجاشِيُّ جعفر بن أبي طالب ومنْ هناك من المسلمين فحضروا فخطب النجاشي فقال: أحمد لله الملك القُدُّوس السَّلام المُؤْمِن المُهَيْمِن العَزيز الجَبَّار. أشهَدُ أنَّ لا إله إلا الله وأنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ وأنَّه الذي بشَّر به عيسى ابن مريم        أمَّا بعد فإنَّ رسول الله كتب إليَّ أن أزوّجَه أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله وقد أصدقتُها أربع مائة دينار. ثمَّ سكب الدَّنانير بين يدي القوم فتكلّم خالد بن سعيدٍ فقال: الحمد لله أحمَدُهُ وأستَعينُهُ وأستَنصِرُهُ وأشهدُ أنَّ لا إله إلا الله وأنّ مُحمّدًا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحقِّ ليُظهرَهُ على الدِّين كلّه ولو كره المشركون. أمَّا بعد فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله وزوَّجْته أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان فبارك الله رسول الله. ودفع الدَّنانير إلى خالد بن سعيد بن العاص فقبضها ثمَّ أرادوا أن يقوموا فقال: اجلسوا فإنّ سُنَّةَ الأنبياء إذا تزوَّجوا أن يؤكل طعامٌ على التَّزْويج. فدعا بطعام فأكلوا ثمَّ تفرَّقوا…

فكانت رضي الله عنها وهي من بنات عمِّه   أقرب نسائه نسبًا إليه، وأكثر نسائه صَدَاقًا. وروت رضي الله عنها أحاديث عن رسول الله  وروى عنها جمع من الصحابة، رضي الله عنهم.

تُوفِّيت سنة أربعٍ وأربعين في خلافة معاوية بن أبي سفيان بالمدينة المنورة. رضي الله عنها وأرضاها وجمعنا بها في الجنّة.