اعرف نبيّك صلى الله عليه وسلم

اعرف نبيّك صلى الله عليه وسلّم

الحمد لله خالق الأرض والسماء، والصلاة والسلام على محمد سيد الأنبياء وإمام الأصفياء، والمقدم على الخلائق في يوم الفصل والقضاء، وعلى آله وأصحابه النجباء أولي الفضل والصلحاء، من أوصلوا لنا شريعته السمحاء، أما بعد:

يقول الله تعالى: ((أَمْ لَمْ يَعْرِفُوْا رَسُوْلَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُوْنَ)) وهذه إشارة في كتاب الله عز وجل لمعرفة هذا النبي الكريم ﷺ معرفةِ أخلاقه وحِلْمه، وعَفْوه وصَبْره وصفحه وعبادَتِهِ وشُكْره وخُشوعه وخُضوعه وتواضُعه وجميل عشْرَته، وكرمه وحُسْن سَجيّته ونُصحه لأمّته، وقيامه بأعباء رسالته، ورأْفته بالمؤمنين ورحمتِه، وشدَّته على الكافرين، ومُجاهدته في نُصْرَة دِين الله وإعلاءِ كلمته، وما لَقِيَه من أذى قَوْمِه وغيرِهم، في وَطَنهِ وخارجَه، فهو الذي بعث لإتمام مكارمِ الأخلاق، وقد قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى}.

اعْلَمُوا أَنَّ نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُصْطَفَى عَلَى الْخَلْقِ كُلِّهِمْ. صَانَ اللَّهُ أَبَاهُ مِنْ زَلَّةِ الزِّنَا، فقد ورد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” خَرَجْتُ مِنْ لَدُنِ آدَمَ مِنْ نِكَاحٍ غَيْرِ سِفَاحٍ “.

وقَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: لَمَّا حَمَلَتْ بِهِ آمِنَةُ قَالَتْ: مَا وَجَدْتُ لَهُ ثِقَلًا. وَكَانَتْ وِلادَتُهُ يَوْمَ الاثْنَيْنِ لاثنتي عشرة ليلة خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الأَوَّلِ كما ذكر البيهقيُّ في دلائل النبوة. فَلَمَّا ظَهَرَ خَرَجَ مَعَهُ نُورٌ أَضَاءَ لَهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. وَتُوُفِّيَ أَبُوهُ وَهُوَ حَمْلٌ في بطن أمه, فكانت أُمُّ أَيْمَنَ تَحْضِنُهُ معَ أمِّهِ. وَمَاتَتْ أُمُّهُ وَهُوَ ابْنُ سِتِّ سِنِينَ. وَكَفَلَهُ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ, وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ وَأَوْصَى بِهِ أَبَا طَالِبٍ. وَكَانَ يُسَمَّى فِي صِغَرِهِ الأَمِينَ. وَكَانَتْ آيَاتُ النُّبُوَّةِ تَظْهَرُ عَلَيْهِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ , فكان لا يَمُرُّ بِحَجَرٍ وَلا شَجَرٍ إِلا قَالَ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَقَالَ: ” إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ , إِنِّي لأَعْرِفَهُ الآنَ “. رواه مسلم. ثُمَّ رُمِيَتِ الشَّيَاطِينُ بِالشُّهُبِ لِمَبْعَثِهِ.

وَأَمَّا نَسَبُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ: مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بنِ هَاشِمِ بنِ عَبْدِ مَنَافِ بنِ قُصَيِّ بنِ كِلابِ بنِ مُرَّةَ بنِ كَعْبِ بنِ لُؤَيِّ بنِ غَالِبِ بنِ فِهْرِ بنِ مَالِكِ بنِ النَّضْرِ بنِ كِنَانَةَ بنِ خُزَيْمَةَ بنِ مُدْرِكَةَ بنِ إِلْيَاسَ بنِ مُضَرَ بنِ نِزَارِ بنِ مَعَدِّ بنِ عَدْنَانَ الْقُرَشِيُّ. وَاسْمُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مُحَمَّدٌ , وَأَحْمَدُ , وَالْحَاشِرُ , وَالْمَاحِي , وَالْخَاتِمُ , وَالْعَاقِبُ , وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ , وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ , وَالشَّاهِدُ وَالْبَشِيرُ , وَالنَّذِيرُ , وَالْمُتَوَكِّلُ , وَالْفَاتِحُ , وَالأَمِينُ , وَالْمُصْطَفَى , وَالرَّسُولُ , وَالأُمِّيُّ.

فَالْحَاشِرُ: الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ وَهُوَ يَقْدُمُهُمْ. وَالعاقب آخِرُ الأَنْبِيَاءِ. وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ صلى الله عليه وسلم. وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَأَصْدَقَهُمْ لَهْجَةً , وَأَلْيَنَهُمْ عَرِيكَةً , وَأَكْرَمَهُمْ عِشْرَةً. أَرْضَعَتْهُ ثُوَيْبَةُ مَوْلاةُ أَبِي لَهَبٍ أَيَّامًا وأرضعتْهُ أمُّهُ كذلك ثم قدمت حليمة السعدية فأكملت رضاعته.

تَزَوَّجَتْهُ خَدِيجَةُ وَلَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً , فَولدت لهُ زَيْنَبَ وَرُقَيَّةَ وَأُمَّ كُلْثُومٍ وَفَاطِمَةَ وَالْقَاسِمَ وَالطَّاهِرَ وَالطَّيِّبَ. وَوَلَدَتْ له مَارِيَةُ إِبْرَاهِيمَ. وَبُعِثَ لأَرْبَعِينَ سَنَةً فَنَزَلَ الْمَلَكُ عَلَيْهِ بِحِرَاءٍ يَوْمَ الاثْنَيْنِ في رَمَضَانَ: وَرُمِيَتِ الشَّيَاطِينُ بَعْدَ مَبْعَثِهِ. وَبَقِيَ يدعو إلى الله وإلى هذا الدين, إلى التوحيد وإلى مكارم الأخلاق ويعلم الناس أن إله الكون واحد لا شريك له أحد ليس جسما ولا يشبه الأجسام ليس كمثله شيء وهو السميع البصير منزه عن مشابهة المخلوقات لا ذاته يشبه الذوات ولا صفاته تشبه الصفات، ثُمَّ نَزَلَ عَلَيْهِ: {فَاصْدَعْ بما تؤمر}، فدعا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة في صيف وشتاء وحر وبرد.

وَلَقِيَ الشَّدَائِدَ مِنْ قَوْمِهِ وَهُوَ صابر. وأمر أصحابه أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَخَرَجُوا. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي وَسلا جَزُورٍ قَرِيبٌ منه , فأخذه عقبة ابن أَبِي مُعِيطٍ لعنه الله فَأَلْقَاهُ عَلَى ظَهْرِهِ , فَلَمْ يَزَلْ سَاجِدًا حَتَّى جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَخَذَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ. فَقَالَ حِينَئِذٍ: ” اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالْمَلإِ مِنْ قُرَيْشٍ “. وَفِي الْبُخَارِيِّ: أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ أَخَذَ يَوْمًا بِمَنْكِبِهِ وَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ بِهِ خَنْقًا شَدِيدًا , فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَدَفَعَهُ عَنْهُ وَقَالَ: ” أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ! “. فَلَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ وَمَاتَتْ خَدِيجَةُ بَعْدَهُ خَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ , وَعَادَ إِلَى مَكَّةَ , وَكَانَ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ يَخْرُجُ فَيَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى الْقَبَائِلِ وَيَقُولُ: مَنْ يُؤْوِينِي؟ مَنْ يَنْصُرُنِي؟ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبْلِغَ كَلامَ رَبِّي! ثُمَّ أُسْرِيَ بِهِ قبل الهجرة , وَبَايَعَهُ أَهْلُ بيعةِ الْعَقَبَةِ , وَهاجر أَصْحَابُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ , ثُمَّ خَرَجَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ إِلَى الْغَارِ فَأَقَامَا فِيهِ ثَلاثًا وَعَمِيَ أَمْرُهُمْ عَلَى قُرَيْشٍ. ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَتَلَقَّاهُ أَهْلُهَا بِالرَّحْبِ وَالسَّعَةِ , فَبَنَى مَسْجِدَهُ وَمَنْزِلَهُ. وَغَزَا على ما قال بعضهم سَبْعًا وَعِشْرِينَ غَزَاةً , قَاتَلَ مِنْهَا فِي تِسْعٍ: بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَالْمُرَيْسِيعِ وَالْخَنْدَقِ وَقُرَيْظَةَ وَخَيْبَرَ وَالْفَتْحِ وَحُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ. وَبَعَثَ كما نقل بعض أهل السير سِتًّا وَخَمْسِينَ سَرِيَّةً. وَمَا زَالَ يَلْطُفُ بِالْخَلْقِ وَيُرِيهِمُ الْمُعْجِزَاتِ , فَانْشَقَّ لَهُ الْقَمَرُ , وَنَبَعَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ , وَحَنَّ إليه الجذع , وأخبر بأمور فيما سيأتي من الزمن فَكَانَ كَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم.

وَفُضِّلَ عَلَى الأَنْبِيَاءِ , فَصَلَّى بِهِمْ فِي لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ , وَهُوَ الْمُتَقَدِّمُ عَلَيْهِمْ يوم الشفاعة.

فقد روي عن جابر بن عَبْدِ اللَّهِ , أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ , وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا , فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ , وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي , وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ , وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً “. متفق عليه.

وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ” أَنَّا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ , وَأَنَا أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ , وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ “. وَفِي مسلمٍ كذلك مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ” أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ , وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ , وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ “. وفي الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ” قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجًا إِذَا بُعِثُوا , وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إِذَا وَفَدُوا , وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا أَيِسُوا , لِوَاءُ الْحَمْدِ بِيَدِي , وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي وَلا فَخْرَ “. قَالَ بعضُ الشرَّاح: أَرَادَ لا أتبجح بهذه الأوصاف , لكن أَقُولُهَا شُكْرًا وَمُنَبِّهًا عَلَى إِنْعَامِ رَبِّي عَلَيَّ.

وأما عن حاله يوم الحشر فهو أول مَن تنشق عنه الأرض، وأول مَن يشفع؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع”. رواه مسلم. وهو صاحب المقام المحمود؛ ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما: “إن الناس يصيرون يوم القيامة جثًّا، جثًّا: أي جالسين على ركبهم كل أمة تتبع نبيَّها، يقولون: يا فلان اشفع، يا فلان اشفع. حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود” رواه البخاري. وقد روى الترمذي عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ: «أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجاً إِذَا بُعِثُوا وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إذَا وَفَدُوا، وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إذَا أَيِسُوا. لِوَاءُ الحَمْدِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي، وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي وَلاَ فَخْرَ» . وقد روى الترمذي عَن أبي هُرَيْرَةَ ، رضي الله عنه قالَ: قاَل رَسُولُ اللَّهِ: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَق عَنْهُ الأرْضُ فأُكْسَى حُلَّةَ مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ ثمَّ أَقُومُ عَن يَمِينِ العَرْشِ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلاَئِق يَقُومُ ذَلِكَ المَقَامَ غَيْرِي». وقد روى البخاري عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِىِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِى الْجَنَّةِ إِذَا أَنَا بِنَهَرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ الدُّرِّ الْمُجَوَّفِ قُلْتُ مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ قَالَ هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِى أَعْطَاكَ رَبُّكَ. فَإِذَا طِينُهُ – أَوْ طِيبُهُ – مِسْكٌ أَذْفَرُ. وفي حديث البخاري يقول صلى الله عليه وسلم: فيُضربُ الصِّراطُ بينَ ظَهرانَيْ جهنَّمَ، فأكونُ أَولَ مَن يَجوزُ منَ الرُّسُلِ بأُمَّتهِ، ولا يتكلَّمُ يومَئِذٍ أَحدٌ إِلاّ الرُّسُلُ، وكلامُ الرُّسُلِ يومَئِذٍ: اللّهمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ.

وَكان صلى الله عليه وسلم أكثرَ الناس عبادة وشكرا لربه عز وجل وأكثَرَهم زهدا وتركا للدنيا مع قدرته أن ينالها فقد عرضت عليه مراتٍ عديدةً ورفضها صلى الله عليه وسلم، فَفِي البخاري ومسلم مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم ثلاثة أيامًا تِبَاعًا مِنْ خُبْزِ حِنْطَةٍ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا. وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَظَلُّ الْيَوْمَ يَلْتَوِي مَا يَجِدُ دَقَلًا يَمْلأُ بِهِ بَطْنَهُ (والدَّقَلُ هو ردئ التمر). وروى أحمد والطبراني أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قال إِنَّ فَاطِمَةَ جَاءَتْ بِكِسْرَةِ خُبْزٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْكِسْرَةُ؟ قَالَتْ: قُرْصٌ خَبَزْتُهُ فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَتَيْتُكَ مِنْهُ بِهَذِهِ الْكِسْرَةِ. فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ أَوَّلُ طَعَامٍ دَخَلَ فَمَ أَبِيكَ مُنْذُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ. وفي الترمذي عَنْ أَبِي بُرْدَةَ , قَالَ: أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا عَائِشَةُ كِسَاءً مُلَبَّدًا (أي مرقَّعًا) وَإِزَارًا (وهو ما يستر أسفل البدن) غَلِيظًا (ثخينا) فَقَالَتْ: قُبِضَ (أي مات) رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَيْنِ. وروى البخاري عَنْ قَتَادَةَ قَالَ كُنَّا نَأْتِى أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ – رضى الله عنه – وَخَبَّازُهُ قَائِمٌ قَالَ كُلُوا فَمَا أَعْلَمُ النَّبِىَّ – صلى الله عليه وسلم – رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ (أي حتى مات)، وَلاَ رَأَى شَاةً سَمِيطًا (مشويا وكاملا) بِعَيْنِهِ قَطُّ. وهكذا كانت حالَ أزواجه وآل بيته فقد روى البخاري عَنْ عَائِشَةَ – رضى الله عنها – قَالَتْ مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ – صلى الله عليه وسلم – مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ الْبُرِّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا، حَتَّى قُبِضَ.

صلى الله عليه وسلم فهو الذي مَا ضَرَّهُ مِنَ الدُّنْيَا مَا فَاتَ , وَهُوَ سَيِّدُ الأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ.

فأكثروا من الصلاة على هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فقد روى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا “. وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ” مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ , وَحَطَّ عَنْهُ عَشْرَ خَطِيئَاتٍ ” رواه ابن أبي شيبة. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ” إِنَّ للَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَلائِكَةً سَيَّاحِينَ يُبْلِغُونِي مِنْ أُمَّتِيَ السَّلامَ ” رواه النسائي.

فَالْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي جَعَلَنَا مِنْ أُمَّتِهِ وَحَشَرَنَا اللَّهُ عَلَى كِتَابِهِ وَسُنَّتِهِ.