الإمام أبو الفرج ابن الجوزي

الإمام أبو الفرج ابن الجوزي ( 509هـ – 597هـ)

الحمد الله الذي هدانا للإسلام وعلمنا الحكمة والقرآن وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس، وألبسنا لباس التقوى خير لباس، والصلاة والسلام على خير الناس للناس الذي بذكره صلى الله عليه وسلم تعطر الأنفاس ومن هديه يحسن ويجمل الاقتباس، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه سادة الناس وعلى من سار على دربهم واقتفى أثرهم إلى يوم قيام الناس وبعد:

فقد قال الله تعالى في سورة الأحزاب ” من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا” ، وقد ورد من حديث أبي الدرداء عند أبي داوود والترمذي”وَ فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ علَى سَائِرِ الْكَواكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ، وَإنَّ الأنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَاراً وَلا دِرْهَماً،إنما وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أخَذَهُ أخَذَ بِحَظٍّ   وَافِرٍ ” . ومن هؤلاء العلماء الأعلام :

الإمام أبو الفرج عبدالرحمن بن علي بن محمد ابن جعفر الجوزي وقد لقب جعفر الجوزي نسبة إلى مشرعة الجوز على نهر البصرة أو الى جوزة كانت في داره ، وهو عربي قرشي تيمي بكري يتصل نسبة بأبي بكر الصديق رضي الله عنه وعرف بالبغدادي مولداً وإقامة وبالحنبلي مذهباً درس العلم وهو صغير ، وُلِدَ سَنَةَ تِسْعٍ أَوْ عَشْرٍ وَخَمْسِمِائَةٍ .

قال الذهبي في السير : وَأَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعَ فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ ، سَمِعَ مِنْ أَبِي غَالِبٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيِّ، وَأَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ الأَصْبَهَانَيِّ الْخَطِيبِ، وَطَائِفَةٍ مَجْمُوعُهُمْ نَيِّفٌ وَثَمَانُونَ شَيْخًا قَدْ خَرَّجَ عَنْهُمْ ” مَشْيَخَةً ” فِي جُزْئَيْنِ .

وقال أيضا : حَدَّثَ عَنْهُ: وَلَدُهُ الصَّاحِبُ الْعَلامَةُ مُحْيِي الدِّينِ يُوسُفُ أُسْتَاذُ دَارِ الْمُسْتَعْصِمِ بِاللَّهِ، وَوَلَدُهُ الْكَبِيرُ عَلِيٌّ النَّاسِخُ، وَسِبْطُهُ الْوَاعِظُ شَمْسُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ قَزْغَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ صَاحِبُ ” مِرْآةِ الزَّمَانِ “، وَخَلْقٌ سِوَاهُمْ.

قال ابن خلكان : ومن شدة انصرافه لطلب العلم لم يكن في صغره على ما كان عليه أترابه من حب اللهو واللعب بل اشتغل في العلم وحفظه وكتابته ، وهذا لما له من نضوج عقلي الى جانب حافظه واعيه  وقد قال عن نفسه ( وقد رزقت عقلاً وافراً في الصغر يزيد على عقل الشيوخ ) .

وقال عنه الذهبي : وَكَانَ رَأْسًا فِي التَّذْكِيرِ بِلا مُدَافَعَةٍ، يَقُولُ النَّظْمَ الرَّائِقَ، وَالنَّثْرَ الْفَائِقَ بَدِيهًا، وَيُسْهِبُ وَيُعْجِبُ، وَيُطْرِبُ، وَيُطْنِبُ، لَمْ يَأْتِ قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ مِثْلُهُ، فَهُوَ حَامِلُ لِوَاءِ الْوَعْظِ، وَالْقَيِّمُ بِفُنُونِهِ، مَعَ الشَّكْلِ الْحَسَنِ، وَالصَّوْتِ الطَّيِّبِ، وَالْوَقْعِ فِي النُّفُوسِ، وَحُسْنِ السِّيرَةِ، وَكَانَ بَحْرًا فِي التَّفْسِيرِ، عَلامَةً فِي السِّيَرِ وَالتَّارِيخِ، مَوْصُوفًا بِحُسْنِ الْحَدِيثِ، وَمَعْرِفَةِ فُنُونِهِ، فَقِيهًا، عَلِيمًا بِالإِجْمَاعِ وَالاخْتِلافِ، جَيِّدَ الْمُشَارِكَةِ فِي الطِّبِّ، ذَا تَفَنُّنٍ وَفَهْمٍ وَذَكَاءٍ وَحِفْظٍ وَاسْتِحْضَارٍ، وَإِكْبَابٍ عَلَى الْجَمْعِ وَ التَّصْنِيفِ، مَعَ التَّصَوُّنِ وَالتَّجَمُّلِ، وَحُسْنِ الشَّارَةِ، وَرَشَاقَةِ الْعِبَارَةِ، وَلُطْفِ الشَّمَائِلِ، وَالأَوْصَافِ الْحَمِيدَةِ، وَالْحُرْمَةِ الْوَافِرَةِ عِنْدَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، مَا عَرَفْتُ أَحَدًا صَنَّفَ مَا صَنَّفَ.

وقال عنه ابن خلكان : كان علامة عصره وإمام وقته في الحديث وصناعة الوعظ ، صنف في فنون كثيرة ، حتى قالوا إنه جُمعت الكراريس التي كتبها وحسبت مدة عمره وقسمت الكراريس على المدة فكان ما خص كل يوم تسع كراريس وهذا شيء عظيم لا يكاد يقبله عقل .

وقال الذهبي عنه : ما علمت أن أحدا من العلماء صنف ما صنف هذا الرجل .

وشهد كل من عاصره وجلس مجالسهأنه كما شارك في علوم عصره وبرز بها ، فقد كانت له المنزلة التي لا تدانى في الوعظ ، فأشتهر بمجالس وعظه التي كان يحضرها أهل الحكم ويقصدها الناس  من كل حدب وصوب يجتمعون لها بأعداد كبيرة وبزحام قل نظيره .

ويذكر الذهبي من شعر ابن الجوزي في الوعظ أنه قال :

يَا سَاكِنَ الدُّنْيَا تَأَهَّبْ                     وَانْتَظِرْ يَوْمَ الْفِرَاقِ

وَأَعِدَّ زَادًا لِلرَّحِيلِ                      فَسَوْفَ يُحْدَى بِالرِّفَاقِ

وَابْكِ الذُّنُوبَ بِأَدْمُعٍ                تَنْهَلُّ مِنْ سُحُبِ الْمَآقِي

يَا مَنْ أَضَاعَ زَمَانَهُ                      أَرَضِيتَ مَا يَفْنَى بِبَاقِ

قال السيوطي في طبقات الحفاظ : وحصل له من الخطوة في الوعظ ما لم يحصل لأحد قط قيل إنه حضره في بعض المجالس مائة ألف، وحضره ملوك ووزراء وخلفاء. وقال: كتبت بأصبعي ألفي مجلد، وتاب على يدي مائة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألفا. مات يوم الجمعة ثالث عشر رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة .

قال ابن عماد في شذرات الذهب : ” كان يراعي حفظ صحته وتلطف مزاجه وما يفيد عقله وقُوةوذهنه حدِة ” .

– توفي أبو الفرج ابن الجوزي – رحمه الله تعالى – ليلة الجمعة في الثاني عشر من رمضان عام خمسمائة وسبع وتسعين وعمره نحة التسعين – ودفن بباب حرب بالقرب من مدفن الإمام أحمد بن حنيل ، وأوصى بأن يكتب على قبره هذه الابيات :

يا كثير العفو عمن                             كثر الذنب لديه

جاءك المذنب يرجو                           الصفح عن جرم يديه

أناضيف وجزاء                               الضيف إحسان إليه

رحمه الله تعالى وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء .