السيدة نفيسة بنت الحسن رضي الله عنها

نساء صالحات

السيدة نفيسة بنت الحسن رضي الله عنها

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد طه الأمين، وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم وسار على منوالهم إلى يوم الفصل والدين.

هيَ السّيدةُ نَفيسة بنتُ أبي محمدٍ الحسنِ الأنور بنِ زَيد الأبلج بنِ الحسَن السِّبط بنِ الإمام عليٍّ كرّمَ اللهُ وجْهَه، فهيَ مِن دَوحَةِ النُّبوةِ التي طَابَت فَرعًا، وزَكَتْ أَصْلا. نَشأَت السّيدة نَفيسة في جَوٍّ يَسُودُه العِلمُ والوَرعُ والتّقوى، فقَرأتِ القُرءانَ وحفِظَتهُ، ودَرستِ العِلمَ ووَعَتْهُ، وسمِعَت مَسائلَ الحديثِ والفِقه ففَهِمَتها. وكانَت رضيَ الله عنها مُجابةَ الدّعوةِ، أَظمَأت نهَارَها بالصِّيام، وأقَامَت ليلَها بالقِيام، عَرفَتِ الحَقَّ فوقَفت عِندَه والتَزمَت به، وعَرفَتِ البَاطِلَ فأَنكَرتْهُ واجتَنَبتْه، واجتَهدَت بالعبادةِ حتى أكرَمهَا اللهُ بكرَاماتٍ عدِيدةٍ.

وكانَت السّيدة نَفِيسة رضي الله عنها عفيفةَ النّفس، فما عُرف عنها أنها مَدَّت يدَهَا لمخلُوق، وكانت تُنفِقُ على نفسِها وأهلِ بَيتِها مِن مَالها أو مالِ زَوجِها، أو ما يَأتِيها مما تَغزِلُه بِيدِها. وقَد قيَّضَ الله تبارك وتعالى لها أن تجتمع بكبار العلماء وأئمةِ الفقهاء، وشيوخِ الزهّاد والعبّاد أمثالِ بشرِ بنِ الحارِث المعروف بالحَافي، وإمام أهلِ السُّنة الوَرِع أحمد بن حنبل، والإمام الشافعي، وغيرهم كثير.

كان مِن عادةِ الحسَن الأنور والدِ السّيدة نفيسَة الجلُوس في البيت الحرَام، وذلكَ لكَي يُعطِي للنّاس دروسَ العِلم، ويُناقِشَهم في أمور الفِقه، ويتَدارسُون علومَ القرءان. وفي يومٍ وهو على هذهِ الحال، أقبَلت جَاريةٌ لتَزِفَّ إليه البُشرى وتقول له: أَبشِر يا سيد فَقد وُلِدَت لك الليلة مولودةٌ جميلة، لم نرَ أحسن منها وَجهًا، ولا أَضْوأ منها جَبِينًا، يَتلألأ النُّورُ مِن ثَغرِها، ويشعّ مِن محيّاها. فلما سمع الحسنُ الأنور هذه البُشرى فَرِح، وخَرّ ساجدًا لله شُكرًا على ما وهَبَه منْ نِعمَةٍ، وحَمدًا لاستجابةِ دُعائِه. ثم أَقبلَ على الجارية فأَجْزَلَ لها العطَاء ثم قال لها: مُرِي أهلَ البَيتِ فليُسَمُّوهَا “نفيسة” فَسوفَ تكونُ إن شاء الله تعالى “نفيسة”.

 وُلدت السيدةُ نفيسة بمكةَ المكرمة يوم الأربعاء الحادي عشَر مِن شهر رَبيع الأوّل سنةَ خمسٍ وأربعينَ ومائة منَ الهِجرة النّبوية، وقد فرِحَت أُمُّها بمولودَتها، ومما زادَ في سُرور الحسن الأنور أنها قَريبة الشّبَه بأختِه السّيدة نفيسة بنتِ زَيد رضي الله عنها، وهي التي تزوج بها الخليفةُ الوليدُ بنُ عبد الملك. ولما سمعَ الحاضرونَ مِن صَفوة الأخيار وصَالحي المرِيدين نبَأ ولادة مَولودةٍ للحسَنِ الأنور، قامُوا وهنّأوه بتَحقيقِ أَملِه، واستِجابةِ دُعائِه فشَكَر لهم ثم بَسَط كفّيهِ بالدُّعاءِ والرّجاء قائلا: “اللهُمّ أنبِتْها نَباتًا حَسَنًا، وتَقَبّلْها قَبُولا حسنًا طَيبًا، واجعَلْهَا من عبادِك الصالحين، وأوليائكَ المقرّبين الذينَ تُحِبُّهم ويحبُّونَكَ، اللهم اجعَلها مَعدِنَ الفَضلِ، ومَنبَع الخير، ومَصدَر البِرّ، ومَشرِق الهداية والنُّور، اللهُمّ اجعَلها نفيسةَ العِلم، عظيمَة الحِلم، جليلةَ القَدْرِ، قَويةَ الدِّين، كاملةَ اليَقين”

نَشأتِ السيدةُ نفيسة نشأةً شَريفةً، فبَعد أن نشأت بمكةَ تحُوطُها العِزةُ والكرامةُ، اصطحبها أبوها وهي في الخامسة من عمرها إلى المدينة، وأخذَ يلقِّنُها أمورَ دِينِها ودُنياها، فحفِظت القرءان، ولقَّنها حديث النبي الأمين صلى الله عليه وسلم، وسمعَت سيرة الصالحين، وصِفات المتقين، ولم يقتَصر في تربيتِها على الحفظِ والرِّواية، والدراسة والتّلقين، بل حرِصَ أن يجمعَ في تربيتها بينَ القولِ والعمل.

فكانَ يُشْرِكُها معه في نُسكَتِه وعِبادته، ويُقرئها معه أورادَه، وكثيرًا ما كان يَصحَبُها إلى المسجد النبويِّ، ولتَنظُرَ بعَينِها إلى مَواكِب الأخيار، ووفُودِ الأبرار وهُم يتَردّدون بشوق على مسجد النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم.

وقد بارك الله لها في طفُولتِها، فلم تبلُغِ الثّامنةَ مِن عمُرِها حتى فرغَت من حِفظ كتاب الله تعالى، وشيئًا غير قليل منَ السنّة النبوية وكانت لا تفارقُ أباها في حِلِّه وتَرحَالِه، فكانَ لها قدوةً حسنة وأُسوةً صَالحة، فأَشرق صدرُها بنور الإيمان، وخالطت نفسُها حَلاوةَ الطّاعة، وكثيرًا ما كانت تدعو الله وهي صغيرة قائلةً: “اللهم حُلّ بينَ قَلبي وبين كل ما يَشغَلُني عنكَ وحبّبْ إليّ كلَّ ما يقرّبني منك، ويَسّر لي الطريق لطاعتك، واجعلني من أهلِ ولايتك، فإنك المرجُوُّ في الشدائد، المقصودُ في النّوائب والملمّات”

ومن بين الذين التقت بهم السيدةُ نفيسة في المدينة الإمام مالك رضي الله عنه الذي كانَ حديثَ الفقهاء والمسلمين بكتابه (الموطأ) وفقهه الذي انتَشر في الأمصار، وكان الإمام مالكُ بنُ أَنس إمامُ دار الهجرة من أرفع العلماء قَدرًا، وأكثَرِهم ورَعًا، وأصَحِّهم حديثًا، وأقرئهم لكتاب الله رضي الله عنه، وكانت تجتمع في بيتِ أبيها الحسن بصَفوة العلماء وخُلاصة الفقهاء، وفُحُول الشعراء وكبار الأدباء، فكانت تستمِع إليهم وتَروي عنهم، تأخذ من أقوالهِم وتحفَظ من حِكمتهِم ما يُغذّي عقلَها المتفتِّح، ويضيء نفسَها الزّكية. فكانت صاحبةَ عَقل راجح، وهمّةٍ عالية، وعَزيمة صادقة، وفِكرة سليمة، ونشاطٍ متجَدّد.

بلغت نفيسة العلم وكريمة الدّارين سنّ الزّواج، فرغِب فيها شبابُ ءال بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن بني الحسن والحسين رضي الله عنهما، كما تهافَت لخِطبَتها الكثير منْ شباب أشرافِ قُريش لمِا عَرفوا مِن خَيرها وبِرّها وإيمانهَا وتَقواها، وكانَ أشدّهم حِرصًا عليها إسحق بن جَعفر الصّادق وهو الذي كان يُلقّب بينَ أقرانه ويُعرف بين الناس بإسحق (المؤتمن) لكَثرة أمانَتِه وقوةِ إيمانِه ودينه.

ولقد خطبها إسحاق وتزوجها، وكانَ إسحاق من أهلِ الفضل والاجتهاد والورع، رَوى عنه الكثير من الناس الحديث والآثار، فقد كان محدثًا ثقة مأمُونًا صادقًا، وجاء في بعض كتب التراجم: وأما إسحاقُ بن جعفر الصادق ويكنى أبا محمد، ويُلقّب “المؤتمن” فقد وُلد بالعريض، وهو وادٍ بالمدينة، وكان أشبَه الناسِ برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان سفيانُ بنُ عُيَينة شيخ الإمام الشافعي رضي الله عنهما إذا ما روى عنه يقولُ: حدّثني الثِّقةُ الرضا إسحاق بنُ جعفر بن محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم.

رحلتها إلى مصر الكنانة

كان للسيدة نفيسة مَكانة في قلُوب المسلمين عامة والمصريين خاصة، وكان أهلُ مصر يلتقُونها في موسم الحج، ويسألُونها زيارتَهُم في بلدهم لكثرةِ ما سمعوا عن فَضلِها وعِلمها، فكانت ترحِّبُ بدعوتهم وتقول لهم: سأزورُ بلادكم إن شاء الله فإن الله قَد أثنى على مصرَ وذكَرَها في كتابه الكريم، وقد أوصَى جَدِّي بأهلها خيرًا فقال: “سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيْهَا القِيرَاطُ فَاسْتَوصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَةً وَرَحِمًا” رواه مسلم.

وتقلبتِ الأحوال بآل البيت فعَقَدوا العزمَ على الانتقالِ إلى مصر، وكانت سبقتهُم إليها في زمنٍ سابقٍ السيدة الطاهرَة زينب بنتُ الإمام عليّ شقيقة الحسن والحسين وبنت فاطمة الزهراء رضي الله عنها وحفيدة النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم.

رحَّب المِصرِيُّون بأهلِ البيت وعلى رأسِهم السيدة نفيسة وزوجها إسحاق وابْناها القاسم وأمّ كُلثوم وغيرهم منْ أبناء ءال البيت وتسَابَقوا في تكريمهم، وتنَافسوا في استضَافَتِهم، فحظي بهذا الشّرف السيد جمال بنُ الجصّاص فأنزلهم في داره، وأقامَت السيدة نفيسة في مِصر حتى توفيت ودفنَت بها، وقد ءاثرت الزهدَ والتقشّف فكانت قليلةَ الأكل، ويروى أنها كانت تأكل كل ثلاثة أيام مرّة، قالت زينب بنت أخيها: خدمتُ عمّتي السيدة نفيسة أربعينَ عامًا فما رأيتها نامَت بلَيل، ولا أفطرت إلا العيدين وأيام التشريق فقلت لها: أمَا ترفُقِين بنفسِك؟ فقالت: كيف أرفُق بنفسي وأمامي عَقَبات لا يقطَعُهُنّ إلا الفائزون. وكانت تقول: كانت عمتي تحفَظ القرءان وتفسيرَه، وكانت تقرأ القرءانَ وتَبكي.

كرامات السيدة نفيسة

ولما استقامت السيدة نفيسة رضي الله عنها بطاعة الله، أكرمها بكرامات كثيرة نذكر بَعضًا منها:

جَرَيانُ ماءِ النيل: قال سعيد بن الحسن: توقف النيلُ بمصر في زمن السيدة نفيسة، فجاء الناسُ إليها وسألُوها الدُّعاء، فأعطَتهُم قِناعَها، فجاءوا به إلى النهر وطرَحُوه فيه، فما رجعوا حتى فاضَ النِّيل بمائه وزاد زيادة عظيمةً.

دعاؤها للشافعي: كان الإمام الشافعي رضي الله عنه إذا مرِض يرسِلُ لها رسولا من عندِه، كالربيع الجِيزي أو الربيع المُرادِيّ، فيقرئها سلامَه ويقول لها: إن ابن عمّك الشافعي مَرِيض، ويسألُك الدّعاء فتَدعو له، فلا يرجِعُ إليه رسولُه إلا وقد عُوفي مِن مَرضِه، فلمّا مَرض الشافعيُّ مرضَه الأخير، أرسلَ لها على عادتِه رسولَه يسألها الدعاءَ له، فقالت لرسولهِ: متّعَه الله بالنظَر إلى وجهِه الكريم (أي ذاته الكريم في الآخرة).

رؤياها لجدِّها صلى الله عليه وسلم: قال زوجها إسحاق المؤتمن يومًا لها: ارحلي بنا إلى الحِجاز، فقالت: لا أفعلُ ذلك، إني رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في المنام وقال لي: لا تَرحَلي منْ مِصر فإنّ الله تبارك وتعالى متوفِّيكِ فيها.

وفاتها:

أصاب السيدة نفيسة رضي الله عنها المرض في شهر رجب سنة مائتين وثمان للهجرة وظلَّ المرض يشتَدّ ويقوَى حتى رمضان، فبلغ المرَضُ أقصَاه وأقعدَها عن الحركة، فأحضَروا لها الطبيبَ فأمرهَا بالفِطر، فقالت: واعجبَاه! إن لي ثلاثينَ سنة وأنا أسأل الله أن يتَوفاني وأنا صائمة، أفَأُفطِر؟ وكانَ وراءَ سِتارٍ لها قَبرٌ مَحفُور، فأشَارت إليه وقالت: هذا قبري، وها هنا أُدفن إن شاءَ الله، فإذا مِتُّ فأدخلوني فيه، ويروى أنها ختمت القرءان في قبرها ألف ختمة. فلمّا فاضَت روحُها الطّاهرة الشريفة دُفِنت في قبرها الذي حفَرتْه بيَدِها، وذلكَ بعدَ موتِ الشّافعي بأربع سنوات.

رضي الله عن السيدة نفيسة الطاهِرة الشريفة، نفيسة العلم وكريمة الدارين. اللهم ارحمها واجمعنا بها في جنات النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسُن أولئك رفيقًا والحمد لله رب العالمين.