الفتنة التي قتل بسببها عثمان رضي الله عنه

في آخر خلافه عثمان رضى الله عنه نشط أهل الفتنه وصاروا يفترون أشياء على سيدنا عثمان وعثمان كان واسع الغنى وكان كثير الإحسان إلى أقاربه فكان يعطي الواحد من أقاربه المبلغ الكبير من المال من باب صلة الرحم فبعض الناس من أهل الفتنة صاروا ينتقدون ذلك على عثمان يقولون انظروا يولي أقربائه الولايات ويعطيهم المبالغ الكبيرة من المال ويسكت عما يفعلون من الأمور المخالفة للشرع فصاروا يفسدون في مواضع معينة من بلاد المسلمين لا سيما في مصر والكوفة والبصرة .

هؤلاء الناس كان همهم الفتنة وكان بينهم رجل أظهر الإسلام في زمن سيدنا عثمان اسمه عبد الله بن سبأ وكان يهودياً من أهل اليمن صار ينشر بين الناس أشياء باطلة وكان هو من المحرضين على سيدنا عثمان من رؤوسهم هذا فيما بعد جاء بعقائد مبتدعة صار يقول كل نبي كان له وصيٌّ وعليٌّ هو وصيُّ محمد أوصى له بالخلافة وصار يقول إن أبا بكر أخذ الخلافة ظلماً وعمر كذلك فلما بلغ ذلك سيدنا عليًا تهدده فانقمع لكن بعد موت علي رجع إلى ما يقول وزاد على ذلك قال علي ما مات وأنه سيرجع قبل يوم القيامة كما أن عيسى سيرجع قبل يوم القيامة قال علي الآن في السحاب وأنه يرجع قبل يوم القيامة هذا الرجل كان من المحرضين على سيدنا عثمان بسبب هذه الأمور .

اتفقوا هؤلاء المفسدون أن يأتوا إلى الحجاز بصورة حجاج في موسم الحج وذلك حتى لا يُتنبه إليهم لأنه في غير موسم الحج يتنبه إليهم فيستعد لهم أما في موسم الحج لا ينتبه لهم فاجتمعوا من البلاد المختلفة في المدينة بعدد كبير وصاروا يشكون إلى عثمان فعل ولاته الذي ولاهم هناك لا سيما الوالي الذي ولاه على مصر وأبلغوا عنه أمورًا ما رضيها عثمان عنه وأرسل إليه كتابًا يوبخه فيه توبيخًا شديدًا فأخذوا تلك الرسالة ورجعوا إلى مصر ثم بعد مدة عادوا قالوا ما قبل رسالتك ما اهتم بها وما ترك ما كان يفعله وقتل إنسانًا من الذين أرسلت معهم الرسالة عند ذلك كتب عثمان كتابًا بعزله وأراد أن يحقق فيما ادعوا عليه ثم ولى عليهم محمد بن أبي بكر الصديق فذهب محمد وذهب معه من كان جاء من مصر راجعين إليها وكذا نظر عثمان في شكوى أهل الكوفة والبصرة فأرضى الذين اشتكوا فيما هم راجعون إلى مصر هؤلاء الناس رأوا غلامًا على بعير يشتد أي يمشي بسرعة كأنه يلحق إنسانا أو يلحقه إنسان فشكوا في أمره فأوقفوه ونظروا فتشوه فوجدوا معه كتابًا مختومًا باسم سيدنا عثمان موجهًا إلى والي مصر أنه إذا جاءك كتابي الذي فيه تولية محمد بن أبي بكر الصديق فلا تطعهم واحْتَلْ كيف تقتلهم وابقَ في عملك حتى أرسل إليك ومن أتاك يتظلم منك فاحبسه حتى يأتيك رأي فلما رأوا هذا الكتاب غضبوا ثم رجعوا إلى المدينة والتقوا بسيدنا علي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص فنظر فحقق علي والبقية في أمر الكتاب وبحثوا وكان عثمان لما واجهوه قال أنا ما كتب ولا أمرت فقالوا له الختم ختمك قال نعم قالوا فأنت كتبت قال لا فبحثوا في الأمر فوجدوا أن البعضَ ممن هو حول أمير المؤمنين قد افتعل هذا الكتاب على لسان سيدنا عثمان وكان هذا الذي عمل هذه المكيدة يكون كثيراً مع عثمان في داره وهو من أقاربه فطلب منه هؤلاء المفسدون أن يدفع هذا الذي فعل هذا إليهم قالوا له إذًا سلمنا إياه فرفض سيدنا عثمان لأنه خاف أن يقتلوه فورًا عند ذلك غضبوا ورأى علي أن أصحابهم الذين كانوا رجعوا إلى الكوفة ورجعوا إلى البصرة صاروا في المدينة من جديد فقال لهم ماذا جاء بكم فقالوا له سمعنا ما حصل مع إخواننا وبأمر الكتاب الذي كتب باسم عثمان فجئنا فقال علي ما مر وقتٌ كافٍ حتى يبلغكم هذا الأمر إنما أنتم دبرتم أمرًا فلم ترجعوا إلى بلادكم بل مكثتم في مكان قريب من المدينة لأمر دبرتموه ثم حاصر هؤلاء المفسدون بيت عثمان ووصل فيهم الأمر إلى أن منعوا من دخول الماء عليه فأشرف على الناس قال عثمان رضي الله عنه : علي موجود هنا ؟ فقالوا لا فقال سعد هنا ؟ فقالوا لا فسكت شيئًا ثم قال ألا أحد يبلغ عليًا فيسقينا ماءً؟! فبلغ ذلك عليًا فبعث إليه بثلاث قُرَبٍ مملوءة ماء فما وصلت إلى عثمان إلا بصعوبة هؤلاء الذين حاصروه أرادوا منع من يحملها من الوصول إلى عثمان فضربهم أصحاب علي حتى أدخلوها بالقوة ثم بلغ سيدنا عليًا أن هؤلاء في نيتهم قتل عثمان عند ذلك قال لولديه الحسن والحسين اذهبا بسيفيكما حتى تقفا على باب عثمان فلا تدعا أحدا يدخل إلى عثمان ممن يريد قتله وبعث الزبيرُ ابنه وطلحة بن عبيد الله ابنَه وعدد من أصحاب رسول الله أرسلوا أولادهم لحماية عثمان وكان هؤلاء الثائرون طلبوا من عثمان أن يخلع نفسه من الخلافة فقال ما كنت لأخلع قميصاً قمصنيه الله وهذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم له ( لعل الله يقمصك قميصاً فإذا أرادك المنافقون على خلعه فلا تطاوعهم حتى تلقاني ) ثم إن هؤلاء الناس لما رأو أن أبناء الصحابة صاروا على باب عثمان صاروا يرمون باب عثمان بالسهام حتى خضب الحسن بن علي بالدم سال دمه على ثيابه وكذلك محمد بن طلحة خضب بالدم وقُنبُر مولى سيدنا علي أي خادمه جرح في رأسه فقال أحد هؤلاء الثوار لرجلين منهما إذا جاء بنو هاشم فرأوا الدم على الحسن بن علي يغضبون غضبًا شديدًا فيكشفون الناس عن  عثمان فيبطل ما تريدون فتعالوا نتسلق عليه الدار من خلف فندخل عليه فنقتله من غير أن يعلم بنا أحد فدخلا من دار مجاورة لدار عثمان ولا يعلم بذلك أحد ممن كانوا معه لأن من كانوا معه كانوا كلهم على سطح منزله ولم يكن معه إلا امرأته فلما دخل هذا الرجل على سيدنا عثمان أمسك بلحيته لعثمان فقال له عثمان والله لو رآك أبوك لساءه ما يرى فأثرت فيه هذه الكلمات وتراجع عما كان يفعل وخرج لكن الرجلان اللذان دخلا معه قتلا عثمان وكان يقرأ القرآن وكان قد أمر العبيد الذين عنده أن لا يقاتلوا قال لهم لو دخلوا يريدون قتلي لا تقاتلوا فلا أريد أن يراق دم مسلم بسببي فلما أراد قتله صاحت امرأته لكن ما سمعها أحد بسبب الجلبة التي كانت موجودة حتى خرجت على الناس فقال لهم إن أمير المؤمنين قد قتل فدخل الناس فوجدوه مقتولاً فلما وصل الخبر أصحاب رسول الله طاشت عقولهم من شدة الضيق الذي نزل بهم كأنهم ذهلوا وجاء علي وطلحة والزبير وسعد فرأوا عثمان مقتولاً فغضب علي غضبًا شديدًا وقال لولديه كيف يدخل على عثمان وأنتما هنا ووبخ بقية أولاد الصحابة الذين كانوا على الباب ثم ذهب حتى دخل منزله.

فجاء الناس إليه فقالوا نبايعك فمُدَّ يدك لا بد للناس من أمير فقال علي ليس ذاك إليكم هذا ليس من وظيفتكم إنما ذاك إلى أهل بدر فمن رضي منه أهل بدر فهو خليفة فلم يبق واحد منهم إلا جاءه جاء أهل بدر وأصحاب النبي جاءوا إلى علي فقالوا أنت أولى من نرى بالخلافة مد يدك نبايعك فاقتنع علي ثم أعادوا عليه ألحوا عليه فجاءت عزيمة عنده فمد يده فبايعوه وجاء علي إلى زوجة عثمان فقال لها من قَتَل عثمان فقالت لا أدري دخل عليه رجلان لا أعرفهما ومعهما فلان وأخبرته بما حصل منه فدعا علي ذلك الرجل فسأله عما ذكرت فقال ما كذبت هي قالت الصدق أنا كنت معهما فقال لكن لما دخلت ذكرني بأبي فتركته وأنا تائب إلى الله والله ما قتلته ولا ساعدت على قتله فقالت زوجة عثمان صدق فكان لا يعرف من الذي قتل عثمان على التحديد وكان قتله في أيام التشريق في شهر ذي الحجة ودفن ليلة تسعة عشر من ذي الحجة وقيل غير ذلك لكن قتل في شهر ذي الحجة وكان سنه فوق الثمانين لما قتل قيل اثنتان وثمانون سنة ، رضي الله عنه وأرضاه وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

وصلى على عثمان الزبير رضي الله عنه وتولى دفنه وكان عثمان أوصى بذلك إليه ودفن في البقيع مقبرة أهل المدينة .