انتهاء حروب الردة

من جملةِ الجيوشِ التي أرسلَهَا أبو بكرٍ كانَ جيشَ العلاءِ الحضرميِّ إلى أهلِ البحرينِ ، وقد كان هناك قبيلتانِ كبيرتانِ عبدَ القيسِ وبكرًا أما عبدُ القيسِ فإنَّ أحدَ الصحابةِ يقالُ له الجارودُ وكان منهم قامَ فيهم خطيبًا ففاؤوا إلى الإسلامِ مباشرةً بعد ردَّتِهِم قال لهم :” يا معشرَ عبدِ القيسِ إني أسألُكم عنْ أمرٍ أخبروني بهِ إن علمتموهُ قالوا سلْ عمَّا بدَا لكَ فقالَ لهم تعلمونَ أنَهُ كان فيما مضى أنبياءُ للهِ قالوا نعم قال تعلمونَه أم ترونَه ؟ أي رأيٍ من آرائكم قالوا بل نعلَمُه ، قال فما فعلوا ماذا كان حالُهم ؟ قالوا ماتوا قالَ فإنَّ محمدًا ماتَ كما ماتوا وأنا أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه ، عند ذلك قالوا ونحن نشهد أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه وأنَّك سيدُنَا وأفضلُنَا ، وأما بكرٌ القبيلةُ الثانيةُ فارتدوا وكانَ حاكمُ البحرينِ من قِبَلِ النبيِّ يقالُ له المنذرُ كان هو الذي ولَّاهُ الرسولُ تلك الناحية فماتَ بعدَ موتِ رسولِ اللهِ بقليلٍ في نفسِ الشهرِ ، بعد موتِهِ ظهرتِ الردةُ هناك وأصحابُه المسلمونَ حُصِرُوا في مكانينِ وأمَّا المرتدونَ فقالوا تَردُّوا الملكَ في ءالِ المنذرِ وكانوا حكامًا فاختاروا واحدًا منهم وجعلوه ملكًا عليهم وكانَ هذا الرجلُ يسمى الغَرورُ وعندما رجعَ للإسلامِ صارَ يقولُ أنا لستُ الغَرورَ إنما المغرورُ . ثمَّ إنَّ الحصارَ اشتدَّ على المسلمينَ واشتدَّ عليهمُ الجوعُ حتى كادوا يهلِكون من ذلك وأرسلوا إلى أبي بكرٍ يستغيثونه أرسلوا رسالةً وشعرًا لأبي بكرٍ يطلبونَ النجدةَ ، عند ذلكَ أرسلَ أبو بكرٍ العلاءَ معَ الجيشِ لنصرتِهِم فسلكَ بهمُ العلاءُ الدَّهْنَاءَ وهيَ صحراءُ من أشدِّ الصحارى وأكثرِهَا خلوًا من الماء وهي من أصعبِ الصحارى التي تُسلَك حتى يسرعَ في نجدةِ المسلمين ، فلما توقفوا في الليلِ ليرتاحوا نفرتْ إبِلُهُم فلم يبقَ معَهُم لا زادٌ ولا ماءٌ فهجم عليهم من الغمِّ شىءٌ عظيمٌ حتى إنَّ بعضَهم صارَ يوصي بعضًا فلما رأى العلاءُ ذلك ناداهم فقالَ ماهذا الذي ظهرَ فيكم ، لامَهُم على انشغالِ قلوبهم إلى هذا الحدِّ ، فقالوا وكيف نُلَامُ ونحن إذا بَلَغْنَا غدًا لا تحمُوا علينا الشمسُ حتى نصيرَ حديثًا ؟ يعني نموتُ ويصيرُ الناس يتحدثونَ كان هنا جيشٌ سلكوا هذا المكانَ ثم ماتوا فكيف نُلامُ ؟ فقال العلاءُ أيها الناسُ لا تُرَاعُوا ألستم مسلمينَ ؟ أليسَ خروجُكُم في سبيلِ اللهِ ؟ ألستم خرجتم لتنصروا اللهَ أي دينَ الله ؟ فقالوا بلى فقالَ أبشروا واللهِ لا يخذُلُكم اللهُ ثم لما طلَعَ الفجرُ صلوا الصبحَ منهم من تَيَمَّمَ ومنهم مَن كان بعدُ على وضوءٍ ، ثمَّ عندما سلَّمَ مِنَ الصلاةِ جثَى العلاءُ على ركبتيه وقَعَدَ الناسُ ثم صارَ يدعُو اللهَ وأكثرُوا منَ الدعاءِ ، عندَ ذلكَ لَمَعَ لهم سرابٌ عندما طلعتِ الشمسُ ، فقال العلاءُ فلينظر أحدُكم ما هذا فذهبَ فمشى قليلًا ثم رجعَ فقالَ هذا سرابٌ ليسَ ماءً ، ثم مرةً ثانيةً فحصلَ الأمرُ نفسُه ثم حصلَ هذا الأمرُ مرةً ثالثةً ولكن في الثالثةِ قال هذا ماءٌ ، فقامَ وقامَ الناسُ معَه فوصلُوا إليه فشربُوا واغتسلُوا فلمَّا تعالتِ الشمسُ أقبلتْ إليهم إِبِلُهُم مِن كلِّ ناحيةٍ ، ثم صارتِ الإبلُ تأتي فتقعدُ عندهم ، فقامَ كلُّ واحدٍ إلى إِبِلِهِ فَسَقَوْهَا جيدًا ثم انتظروا مدةً ثم ارتحلوا،  بعد أنِ ابتعدوا قليلًا تكلم واحدٌ منهم معَ أبي هريرةَ فيما حصلَ معهم ، فقالَ أبو هريرةَ ما عِلْمُكَ في هذهِ البلادِ أتَعرفُ هذه البلادَ ؟ فقال أعرفُهَا جيدًا قالَ نسيتُ قربتي في ذلك الموضعِ الذي وجدنا فيه الماءَ ، هل تستطيعَ أنْ ترجعَ معي حتى نأتيَ بها ؟ فقال نعم فرجعَا فلمَّا وصلَا إلى ذلك الموضعِ لم يجدوا ماءً فيهِ ، فهذا الرجلُ صارَ ينظرُ إلى أبي هريرةَ قالَ لهُ واللهِ لولا أن هذا الموضع لا ماء فيه كنت قلت لك هذا هو ، ثم وجدَا القربَةَ هناك فقال له أبو هريرةَ هذهِ قربتي وإنما تركتُهَا عمدًا حتى أرجع إلى هنا فأنظرَ هل هذا الماءُ كانَ موجودًا من قَبْلُ أم شىءٌ أغاثَنَا اللهُ بهِ فإذا هو غوثٌ منَ اللهِ ، ثم أكملَ العلاءُ السيرَ بالجيشِ لقتالِ الكفارِ فأقاموا يقاتلونهم شهرًا كل يومٍ يتقاتلون معهم حتى نصرَهم اللهُ بعدَ شهرٍ ، واحدٌ من المسلمينَ تسلَّلَ إلى معسكرِهِم فوجدَهم سُكَارَى فأخبرَ المسلمين بذلك فقتلُوهم هجموا عليهم فأبادُوهم ، ثم من فَرَّ منهم وهربَ إلى جزيرةٍ يقال لها دارينَ ولم يكن مع المسلمينَ سفنًا يعبرونَ بها الماءَ ولم يكن جسرٌ فوقَ الماءِ ، وإنما مكانٌ يقطع من الشاطىء إلى تلك الجزيرةِ بالسفنِ ويحتاج إلى مدةٍ طويلةٍ في بعض الحالاتِ كان يستغرقُهُم بالسفينةِ يومًا أو ليلةً ليصلوا إلى الجزيرة ، فعلَّمَهم العلاء بن الحضرمي دعاءً قال لهم قولوا يا عليُّ يا عظيمُ ثمَّ اقتحمَ الماء على دابتهِ فصارَ يمشي على وجهِ الماءِ فتبعه الجيشُ فمَشَوا معه على وجه الماء وهم يقولون يا عليُّ يا عظيمُ فقتلوا الكفارَ ، وبذلكَ استتبَّ الأمرُ للمسلمينَ في تلك الناحيةِ وأرسل أبو بكٍر مَن ينصر المسلمين في ناحيةِ عُمَانَ ، فإنَّ أناسًا هناك ارتدوا واتَّبعُوا إنسانًا ادعى النبوةَ سيطرَ على تلك الناحيةِ ، فالمسلمون هزموهُ ، وكذا أرسلَ أبو بكرٍ إلى ناحية المَهْرَة مَن تولى إنهاءَ الردة بعد قتالٍ شديدٍ جدًا مِن أشدِّ القتالِ ، وكذلكَ بلاد اليمن حصل فيها ردةٌ كثيرةٌ في أكثرَ مِن ناحيةٍ وأكثرَ من مرةٍ ، بعض الناس هناك ارتدوا ثم رجعوا للإسلامِ ثم بعد مدةٍ ارتدوا ثانيةً ، كذلك أمرُ الردةِ في حضرَموت ، وكان أبو بكر قد أرسلَ إلى هناك مَن تولى نصرةَ المسلمين فيها وما زالَ أبو بكر يرسلُ هنا وهناك ويقاتلُ المرتدين حتى استَتَبَّ الأمرُ لهُ في جزيرةِ العربِ ، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء .