بابُ مَا جَاءَ فِي خِضَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

بابُ مَا جَاءَ فِي خِضَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

45ـ عَن إِيَادِ بْنِ لَقِيطٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو رِمْثَةَ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَعَ ابْنٍ لِي فَقَالَ ابْنُكَ هَذَا فَقُلْتُ نَعَمْ اشْهَدْ بِهِ قَالَ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ قَالَ وَرَأَيْتُ الشَّيْبَ أَحْمَرَ.

قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا أَحْسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَفْسَرُ لأَنَّ الرُّوَايَاتِ الصَّحِيحَةَ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليهِ وسلم لَمْ يَبْلُغِ الشَّيْبَ، وَأَبُو رِمْثَةَ اسْمُهُ رِفَاعَةُ بْنُ يَثْرِبِيٍّ التَّيْمِيُّ.

رواهُ أحمد وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّان والحاكمُ.

أبُو رِمْثَةَ واسمُهُ رِفَاعَةُ بنُ يَثْرِبِيّ التَّيْمِيُّ كما قالَ التِّرْمِذِيُّ، وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ في الاستيعابِ اختُلِفَ فِي اسمِهِ اختِلافًا كَبيرًا فقِيلَ حَبِيبُ بنُ حيَّانَ وقيلَ حيَّانُ بنُ وَهبٍ وقيلَ رِفاعةُ بنُ يَثرِبِيّ وقيلَ عمارةُ بنُ يَثرِبِيّ بنِ عوفٍ وقيلَ يثرِبِيُّ بنُ عوفٍ.

دخَلَ أبو رِمْثَةَ على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم معَ ابنٍ له، فقال له النبيُّ “ابنُك” ومعناهُ هذا ابنُكَ، فقال أبو رِمْثَةَ نَعَمْ اشهَدْ بِهِ أي أشهَدُ أنَّهُ ابنِي، فقال له النبيُّ ” لَا يَجْنِي عَلَيْكَ وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ ” أي هوَ ابنُكَ لكن اعلم أنّكَ لا تُؤاخَذُ بِذَنبِهِ ولا يُؤاخَذُ بِّذَنبِكَ.

ثم قالَ أبو رِمْثّةَ ورأَيْتُ الشَّيْبَ أحمرَ أي مائلًا إلى الحُمرَةِ كما يكونُ الشَّيْبُ فِي ابتِدَائِهِ، وقالَ بعضٌ أي مَخْضُوبًا.

قالَ أبو عيسى التِرمِذِيُّ هذا أحسُنُ شَئٍ رُويَ في هذا البَابِ وأَفْسَرُ أي بَابِ ما جَاءَ فِي خِضَابِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام، ومعناهُ أي هذا مِن أكثرِ مَا يَكْشِفُ حالَهُ ويُفَسِّرُهُ، يعني هذا أقوَى شيءٍ وَرَدَ في الباب مِن أنَّ النَّبِيَّ خَضَبَ لأنَّ أبو رِمْثَةَ قال رأيتُ الشَّيْبَ أحمَرَ .

ولكن جاء في الروايات الصحيحَةِ الثَّابِتَةِ أنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام تُوُفِيَ وَلَمْ يَبلُغِ الشَّيْب أي ما كَثُرَ الشَّيْبُ عِنْدَهُ ولَم يَبلُغ إلى حدِّ أن يَخضِبَ فكيفَ يَكُونُ خَضَبَ.

وبَعضُ العُلَمَاءِ قالَ يُجْمَعُ بينَ الأحادِيثِ، فقالوا إنَّ الرِّوَاياتِ التي جاءَ فيها ذِكر الخِضَابِ ليسَ المُرادُ منها خِضَابَ الشَّيبِ بِالحِنَّاءِ وَالكَتَمِ وما شَابَهَهُ إنَّمَا المُرادُ بها الاختِضَابُ بِالطِّيبِ وبالخِضَابِ وبِالطِّيبِ يصيرُ الشّيْبُ أحمَرَ، وبهذا تَجْتَمِعُ الرِّواياتُ كُلُّها ولا يكونُ بَينَهَا تَعَارُضٌ.

46ـ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ سُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةَ هَلْ خَضَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ نَعَمْ.

وَرَوَى أَبُو عَوَانَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ فَقَالَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ.

فقد روى البُخَاري وغيرهُ عن عثمان بنِ عبد الله بنِ مَوْهَبٍ أنَّهُ دَخَلَ على أُمِّ سَلَمَةَ قالَ فأخرَجَتْ إلينا شَعرًا مِن شَعرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مخضُوبًا .

أيضًا قيلَ إنَّ المقصُودَ أنَّهُ خَضَبَ بِالطِّيبِ وليسَ بِالحِنَّاءِ والكَتَمِ ومَا شَابَهَهُمَا.

والحِنَّاءُ معروفٌ، صَبغُهُ أحمرُ والكَتَمُ نباتٌ بِاليَمَنِ صبغُهُ أسودُ يَميلُ إلى الحُمرةِ، فالصَّبغُ بهما معًا يَخرُجُ بينَ السَّوادِ والحُمرةِ.

47ـ عَنِ الْجَهْدَمَةِ امْرَأَةِ بِشْيرِ ابْنِ الْخَصَاصِيةِ قَالَتْ أَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ يَنْفُضُ رَأْسَهُ وَقَدِ اغْتَسَلَ وَبِرَأْسِهِ رَدْعٌ أَوْ قالَ رَدْغٌ مِنْ حِنَّاءٍ شَكَّ فِي هَذَا الشَّيْخُ.

رواهُ ابنُ مَنْدَه فِي الصَّحَابَةِ، لكن هذا الحديثُ في إسنادِهِ ضَعفٌ.

ومعنى الرَّدعِ أي الصَّبْغ ، أي كانَ بِرَأسِهِ أثرُ صِبْغٍ عليه الصلاة والسلام،  ومعنى الرَّدْغ طينٌ كثيرٌ، ومِن هُنا قالَ القَسطلانيُّ اتَّفَقَ المُحَقِّقُونَ على أنَّ الرَّدغ وَهمٌ وغلطٌ فِي هذا المَوْضِعِ. والشَّكُّ في هذا الحَدِيثِ بينَ الرَّدعِ والرَّدغِ من إبراهيمِ بنِ هَارونَ.

 48ـ عَن حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ رَأَيْتُ شَعْرَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَخْضُوبًا.

لقد صَحَّ عن أنَسٍ أنَّهُ نفى أن يكونَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم قد خَضَبَ عندما سَأَلَهُ قتادَةُ هَل خَضَبَ رَسُولُ الله صلى الله عليهِ وسلم شَعرهُ أي صَبَغَهُ ، فأَجَابَ أنَسٌ أنَّهُ لم يكُن مِقدَارُ الذي فِي شَعْرهِ مِنَ الشَّيْبِ ما يحتاجُ إلى خِضَابٍ.

ورَوَى ابنُ سَعْدٍ عن كَهْمَس بنِ عبدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ وابنِ عمرَ وغيرِهِما أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَضَبَ.

فَجَمَعَ بَعضُهُم بينَ الرِّوَاياتِ بأَنَّ الخِضَابَ كانَ بِالطِّيبِ كما رُويَ عن أنسٍ عِندَ الحَاكِمِ وكما ثِبَتَ فِي صَحِيحِ البُخَاريّ مِن حَدِيثِ أنسٍ بأنَّهُ احْمَرَّ مِنَ الطِّيبِ.

قالَ النَّوَوِيُّ رحمهُ الله والمُختارُ أنّهُ خَضَبَ فِي وَقْتٍ لِمَا دَلَّ عليهِ حديثُ ابنِ عمرَ فِي الصَّحِيحَينِ ولا يُمكِنُ تركُهُ ولا تأوِيلُهُ وتَرَكَهُ فِي مُعظَمِ الأوقاتِ فأخبرَ كلٌّ بمَا رأى وهو صادِقٌ.

49ـ عَن عبدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَقِيلٍ قالَ رَأَيْتُ شَعْرَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عِندَ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ مَخْضُوبًا.

فرأى عبدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَقِيلٍ عندَ أنسٍ شعرَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِمَّا كانَ حَصَّلَهُ سيدنا أنس رضى الله عنهُ مِن شَعرِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام قَبلَ وَفاتِهِ وكانَ هذا الشَّعرُ مَخْضُوبًا.

يَحتَمِلُ أن يَكُونَ المُرادُ بالخَضبِ بالحِنَّاءِ ومَا شابه ذلك ، لأنَّ مِن حَصَلَ بِيَدِهِ شيءٌ من شَعرِ رسول الله فإنَّهُ بَعدَ وفاتِهِ عليه الصلاة والسلام البعضُ خَضَبَهُ ظنُّوا أنَّ هذا أبقى وأحفظُ للشَّعرِ من أن يأتيَ عليهِ شيء يُتلِفُهُ.

كما فعل بعض السلاطين العُثمانيُّون وغيرُهُم بشعراتِ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم التي عندَهُم بأن خضَبوها حفظًا لها، ووردَ في الرِّواياتِ أنَّ السَّلَفَ فعلوا ذلك أيضا.