باب ما جاء في شَعر رسول الله صلى الله عليه وسلم

باب ما جاء في شَعر رسول الله  صلى الله عليه وسلم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ رسولِ الله،

ففي هذا الجُزء سنتكلم عمَّا جاءَ في وصف شعرِ النبيِّ محمدٍ صلى الله عليهِ وسلم.

فقد كانَ شَعر رأسِهِ كثيرا كثيفا يَسقُطُ على مَنكِبَيهِ ولم يكن شديد الجعودةِ ولا كان كامل الاسترسال ما فيه تثنٍ، بل كان بينهما، وهذا من علامات الجمال.

ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس في رأسهِ ولِحيَتتِهِ عشرونَ شَعرَةً بيضاء.

24ـ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أنَّهُ قَالَ كَانَ شَعرُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى نِصْفِ أُذُنَيْهِ.

أخرجهُ مسلمٌ وأبو دَاودَ وغَيْرُهُمَا.

في هذا الحديث أنَس يقول أنَّ شَعرَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كانَ يَصِلُ إلى نِصْفِ أُذُنَيْهِ وكلامُ أنسٍ محمُولٌ على مُعظَمِ شَعرِهِ وهذا في بَعضِ الأحوالِ، فقد جاء في أحاديث أخرى أنهُ عليه الصلاةُ والسلام كانَ ذي لِمَّةٍ أي أنَّ شَعرَهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَنزِلُ ويُجَاوِزُ شَحمَةَ أُذُنِهِ، وفي أحاديث أنَّ شَعرَهُ كانَ يَصِلُ إلى مَنْكِبَيْهِ.

25ـ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أنَّها قَالَتْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ وَكَانَ لَهُ شَعْرٌ فَوْقَ الْجُمَّةِ وَدُونَ الْوَفْرَةِ.

رواهُ التِرْمِذِيُّ في الجَامِعِ وأبو دَاودَ وابنُ مَاجَهْ.

كانَتْ السَّيَّدَةُ عائِشَةُ تَغْتَسِلُ معَ رَسُولِ الله صلى الله عليهِ وسلم من إناءٍ واحِدٍ لكن من غير أن تَطَّلِعَ على عَوْرَتِهِ، الرَّسُولُ قالَ مِن كَرامَتِي على رَبِّي أنِّي وُلِدْتُ مَختُونًا ولم يَرَ أحدٌ سَوْأتي، لا نِسَاؤهُ ولا غيرُ نِسائهِ، رواهُ البَيْهَقِيُّ.

وَقَالتْ عَائِشَةَ أنَهُ كانَ لهُ شَعْرٌ فوقَ الجُمَّةِ ودُونَ الوَفرَةِ، وَالجُمَّةُ على الأصحِّ ما سَقَطَ مِنْ شَعرِ الرَّأسِ على المَنْكِبَيْنِ، وَالوَفْرَةُ هي شَعرُ الرَّأسِ إذا وَصَلَ إلى شحمةِ الأُذُنِ.

فيكونُ معنى كلامِ عائِشَةَ رضى الله عنها أنَّ شَعْرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كان لا يَصِلُ أغْلَبُهُ إلى المَنْكِبِ ولكِنَّهُ يَنْزِلُ عن شَحْمَةِ الأُذُنِ.

26ـ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَرْبُوعًا بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمِنْكبَيْنِ وَكَانَتْ جُمَّتُهُ تَضْرِبُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ.

فوَصَفَ البَراء النبيَّ صلى الله عليهِ وسلم أنَّهُ كَانَ مَربُوعًا أي أنَّهُ عليه الصلاة والسلام كانَ أميَلَ إلى الطُّولِ، لم يكن بالطويلِ البائنِ ولا بالقصِير.

وكانَ بعيدَ مَا بينَ المنكِبَينِ، ومعناهُ كان عريضَ أعلى الظَّهرِ وهذا يستلزمُ أن يكونَ أعلى صَدرِهِ عَريضًا، وَوَقَعَ عِندَ ابنِ سَعدٍ ذِكرُ أنَّهُ رحيبُ الصَّدرِ أي واسعُ الصَّدرِ.

و شَعْر رأسِهِ صلى الله عليه وسلم كانَ كثيرا كثيفا ينتهِي ويَسقُطُ على مَنكِبَيهِ، وهذا معنى قولِ البراء أنه كان عَظيمَ الجُمَّةِ في حديثٍ آخرَ، والجُمَّةُ ما سَقَطَ مِنْ شَعرِ الرَّأسِ على المَنْكِبَيْنِ.

فقال البراء في هذا الحديث ( وكانت جُمَّتُهُ تَضرِبُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ ) معناهُ أنَّ مُعْظَمَها يَصِلُ إلى شَحْمَةِ أذنيه والمُسْتَدِقُّ مِنهَا يَصِلُ إلى المنكبين أو أنَّ الجُمَّةَ استُعْمِلَتْ هنا بِمعنى الشَّعر مُطلقًا.

27ـ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ قُلْتُ لأَنَسٍ كَيْفَ كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَمْ يَكُنْ بِالْجَعْدِ وَلا بِالسَّبِطِ كَانَ يَبْلُغُ شَعْرُهُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ.

أخرجَهُ الَّشَّيْخَانِ وغَيْرهما.

هذا أنسُ بنُ مالكٍ كانَ خَادِمَ النبي عليه الصلاةُ والسلام، وبعدَ وَفاةِ الرَّسُول كان كُلَّ ليلة يرى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، وعاشَ رضى الله عنهُ أكثر من مائة سنة.

فسألَ قَتَادَةُ أنَسَ بنَ مالكٍ كيفَ كانَ شَعْرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالَ له أنس أنّهُ لم يكُن بالجَعْدِ ولا بِالسَّبِطِ أي شعرُهُ لم يكن بالجَعدِ القَطَطِ أي شديد الجعودةِ ولا كان كامل الاسترسال ما فيه تثنٍ، بل كان رَجِلًا  بين الجعد وبين السبط، وهذا من علامات الجمال.

وبَيَّنَ أنسٌ أنَّ شَعْرَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم كانَ يَبلُغُ شَحمَةَ أُذُنَيْهِ .

ولم يَثْبُتْ أنَّ شَعْرَ النبيِّ وصَلَ إلى نِصْفِ ظَهْرِهِ، إنَّمَا الذي ثَبَتَ هو أنَّهُ وَصَلَ إلى شَحْمَةِ أُذُنُيهِ أو إلى أقصَرَ مِن ذلكَ أو أنّه يَضرِبُ ما بينَ كَتِفَيْهِ، وهذا باختِلافِ الأحوالِ، مثلًا عندما كانَ يَحْلِقُ فِي النُسُك، ويطولُ شَعْرُهُ ، فبَعضُ الصَّحابةِ كانَ يراهُ يَصِلُ إلى شَحْمَةِ أذنيهِ ومنهُم من يراهُ يصِلُ إلى أقلَّ من ذلك.

29ـ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ شَعْرَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ.

أخرجَهُ النَّسَائِيُّ وابن سعدٍ وأحمد وغيرُهُم.

28ـ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ قَالَتْ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَيْنَا مَكَّةَ قَدْمَةً وَلَهُ أَرْبَعُ غَدَائِرَ.

31ـ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَا ضَفَائِرَ أَرْبَعٍ .

أخرجَهُ التِرْمِذِيُّ في الجَامِعِ وأبو دَاودَ وابنُ مَاجَهْ وأحمدُ وغيرُهُم وحسَّنَ الحَافِظُ إسْنَادَهُ فِي الفَتِحْ.

هذهِ أمُّ هَانئٍ هي التي كانَ النبي صلى الله عليه وسلم فِي بيتِها لَيْلَةَ الإسراءِ والمِعراج، ذكَرَت أنَّ النبيَّ لمَّا دَخَلَ مكَّةَ فاتِحًا عَمِلَ شَعْرَهُ أربَعةَ غَدَائِرَ وهي جَمْعُ غَدِيرة وهى الذُؤابةُ أي الطائِفَةُ المجموعَةُ مِنَ الشَّعرِ إذا كانت مرسلةً فإن كانت ملويةً فهي عَقِيصَةٌ ، يعني الخصلَةَ ، بحيث يفوت الشَّعرُ بِبَعضٍ من دونِ أن يُربَطَ.

تجديلُ الشَّعْرِ عِندَ الرِّجالِ كانَ معروفًا عندَ العَرَبِ، الرسول كان شعرهُ هكذا عندما دخل مكة فاتحًا، فيه أربعة جدائل وهذا ما فيه بأس ، أمّا ما يَفعَلُهُ بَعضُ الفُجَّارِ برفعِ شَعْرِهِ وربْطِهِ هذا حرامٌ لا يجوز هذه عادَةُ المُخَنَّثين.

قال الحافِظُ في الفتح الغَدَائِرُ هِيَ الذَّوائِبُ والضّفائِرُ هِي العَقائصُ، فحاصِلُ الخَبَرِ أنَّ شَعرهُ صلى الله عليه وسلم طالَ حتى صارَ ذوائِبَ فَضَفَرَهُ أربعَ عَقَائِصَ وهذا مَحمُولٌ على الحالِ التِي يبعد عهدُهُ بتعهدِهِ شعرَهُ فيها وهى حالةُ الشغل بالسفر ونحوهِ.

30ـ عَن عُبَيْدِ اللهِ بنُ عَبْدِ اللهِ ابنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَسْدِلُ شَعْرَهُ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُءُوسَهُمْ وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدِلُونَ رُءُوسَهُمْ وَكَانَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ ثُمَّ فَرَقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَأْسَهُ.

أخرَجَهُ الشَّيْخَانِ.

جاء في ما رواهُ ابن سعدٍ عن هند بنُ أبي هالةَ أنَّهُ عليه الصلاة والسلام كانَ رَجِلَ الشَّعْرِ إِنِ انْفَرَقَتْ عَقِيقَتُهُ فَرَقَ وَإِلَّا فَلا يُجَاوِزُ شَعْرُهُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ إِذَا هُوَ وَفَّرَهُ ، العَقِيقَةُ هي شعر النَّاصِيَةِ، ومعنى ذلك أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم إن قبل شَعْرُهُ الفَرْقَ كانَ يَفْرِقُهُ نصفٌ على اليمين ونِصفٌ على الشِّمَال وإن لم يقبَلِ الفَرْقَ كانَ يَسْدِلُهُ أي يُرْسِلُهُ على جَبِينِهِ، آخِرُ أمْرِهِ عليه الصلاةُ والسلام أنهُ اسْتَقَرَّ على أن يَفْرِقَ، وكَانَ شَعْرُهُ طويلًا، إذا أسْدَلَهُ كان يَصِلُ إلى تَحْت شَحْمَةِ أُذُنِيهِ وإذا فَرَقَهُ يَصِلُ إلى مَنْكِبَيْهِ.

وفي هذا الحديث أنَّ الرسول كانَ يَسْدِلُ شَعْرَهُ، والسَّدْلُ أن يَسدِلَ من ورائِهِ ولا يَجعَلهُ فرقَتيْنِ، والمُشرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُءُوسَهُم وأهلُ الكِتَابِ يَسْدِلُونَ رُءُوسَهُم.

ومعنى ما جاءَ أنهُ يُحِبُّ موافَقَةَ أهلِ الكِتَابِ فيما لَمْ يُؤْمَرْ فيهِ بِشَيءٍ، قالوا موافَقَةُ أهلِ الكِتابِ فيما لم ينزل عليه فيه شيءٌ، كانتْ ائتلافًا لهُم فِي أولِ الإسلام وموافقةً لهُم على مُخالفةِ عبدةِ الأوثان ،فَفِي بَعضِ الأحيانِ كانَ النَّبِيُّ لِحِكْمَةٍ إذا المُشْرِكُونَ فَعَلُوا شَيْئًا وأهلُ الكِتَابِ فَعَلوا شَيْئًا كانَ يُوافِقُ أهلَ الكِتابِ لأنَّهُم يكُونُوا مُطَّلِعِينَ على شَيءٍ فِي كُتُبِهِم القَدِيمةِ ، لَيْسَ كالمُشرِكينَ إلا إذا أُمِرَ عليه الصلاة والسلام بخلافِ ذلك، فلما أغناهُ الله تعالى عن ذلكَ وأظهرَ الإسلام، جَاءَ الوَحيُ أن يَفرقَ فَفَرَقَ أي جاءَ الوَحيُ بِمُخَالَفَةِ أهلِ الكِتَابِ فَخَالَفَهُم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

ففرقَ رسولُ الله شَعرهُ أي ألقى شعرَ رأسهِ إلى جانبيهِ ولم يدَع منهُ شيئًا على جَبهَتِهِ.