بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرَجُّلِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرَجُّلِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

الحمدُ لله والصلاة والسلام على محمدٍ رسولِ الله، أما بعد

فالتَّرَجُّلُ والتّرجِيلُ معناهُ تَسرِيحُ الشَّعْرِ وتَنْظِيفُهُ وتَحْسِينُهُ، وفي هذا الجُزءِ سنذكرَ بعض ما وَرَدَ في تَرَجُّلِهِ عليه الصلاةُ والسلام.

32- عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا حَائِضٌ.

أخرجهُ مالِكٌ في المُوَطَّإ والبُخَارِيُّ ومُسلِمٌ وغيرُهُم

فالسَّيدَةُ عائِشَةُ رضى الله عنها قَالَتْ إنَّها كانتْ تَرَجِّلُ شَعرَ رسوُلِ اللهِ أي تُسَرِّحُهُ وتُمَشِّطُهُ ، وكما ذكرنا قَبلُ أنَّ معنى التَرَجُّلِ هو تَسرِيحُ الشّعرِ وتنظيفُهُ وتحسينهُ.

وكانت السَّيِّدَةُ عائِشَةُ تفعل ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حائِضٌ.

فإنَّ اعتِقَادَنَا أنَّ المرأَةَ الحَائِضَ يدُهَا وبَدَنُهَا وجِسمُهَا طَاهِر بإِجماعِ الأُمَّةِ، ولكن بعضَ من انتسب للإسلام مِنَ النِّسَاءِ يَنشُرونَ عقائِدَ فاسدةً كَقَوْلِهِم أنَّ الحَائِضَ تُنَجِّسُ ما تَلمِسُ والعِيَاذُ بِاللهِ تعالى .

وهذا الحديثُ عن عائِشَةَ يدُلُّ على  أنَّ الحائِضَ إذا مَسَّتْ شَيْئًا لا يَتَنَجَّسْ بِخِلافِ ما يعتَقِدُ اليَهُودُ والسَّامِرَةُ فهم يعتقدون أن الحائض إذا مسَّت شيئا فإنها تنجسه وهذا ضِدُّ الدِّين.

وجاءَ فيما رواه مسلمٌ في صحيحه أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم طَلَبَ مِنْ عَائِشَة أن تُنَاوِلَهُ مِثْلَ السجادةِ لِيُصَلِّي فقالتْ إنِّي حَائِضٌ فقالَ لهَا حَيْضَتُكِ لَيْسَتْ بَيَدِكِ، معناهُ الحَيْضَةُ ليست فِي اليَدِ أي أنَّ اليَدَ طَاهِرة.

فإنَّ البعضَ يُحَرِّمُ على المرأةِ أن تَطْبُخ وكلامُهُم تكذيب للدين ، حتى إنَّ النَّوَوِيُّ نقَلَ الإجماعَ بأنَّ الحَائِضَ لا تُنَجِّسُ مَا تَلْمِسُهُ.

33ـ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبَانَ هُوَ الرَّقَاشِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ دَهْنَ رَأْسِهِ وَتَسْرِيحَ لِحْيَتِهِ بِالمَاءِ وَيُكْثِرُ الْقِنَاعَ حَتَّى كَأَنَّ ثَوْبَهُ ثَوْبُ زَيَّاتٍ.

 رواهُ ابنُ سعدٍ والتِرمِذِيُّ.

فالنَّبِيُّ عليهِ الصلاةُ والسَّلام كانَ يُكْثِرُ الادِّهَانَ بالزَّيْتِ، وقالَ عليه الصلاة والسلام “كُلُوا الزَّيْت وادَّهِنُوا بِهِ” ، فإنَّ الادِّهَانَ بِالزَّيْتِ فَوَائِدُهُ كَثِيرة، وكذلك التَقَطُّرُ بِالزَّيْت مفِيدٌ.

وكانَ أيضًا عليه الصلاة والسلام يُسَرِّحُ لِحْيَتَهُ بِالماءِ، وَيُكْثِرُ القِنَاعَ وَ القِنَاعُ هوَ خِرْقَةٌ يُغَطَّى بِها الرَّأسُ بعدَ دَهْنِهِ.

وقولُ أنَسٍ رضي الله عنه ” حتَّى كأَنَّ ثَوْبَهُ ثَوْبُ زَيَّاتٍ” أي بِحَيْث لا يكُونُ الثَّوْبُ مُستَقْذَرًا، وقالَ بَعْضُهُم المُرادُ بهذا الثَّوْبِ القِنَاعُ نَفْسُهُ لأنَّهُ صلى الله عليه وسلم كانَ أنظفَ النَّاسِ ثَوْبًا.

34ـ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَيُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي طُهُورِهِ إِذَا تَطَهَّرَ وَفِي تَرَجُّلِهِ إِذَا تَرَجَّلَ وَفِي انْتِعَالِهِ إِذَا انْتَعَلَ.

الحَدِيثُ رَواهُ السِّتَّةُ.

 قال النَّوَوِيُّ قَاعِدَةُ الشَّرْعِ المُسْتَمِرَّةُ استِحْبَابُ البِدَاءِ بِاليَمِينِ فِي كُلِّ مَا كَانَ ، وهذا مِنْ بَابِ التَّكْرِيم والتَزْيين ومَا كَانَ بِضِدِّهِمَا استُحِبَّ فيهِ التَيَاسُرُ.

فكان رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يُحِبُّ التَيمُّنَ، ومعناهُ الابتِدَاءُ فِي الأفعَالِ بِالَيَدِ اليُمْنَى والرِّجْلِ اليُمنى والجَانِبِ الأيمن، فكانَ يَبدَاُ في اليمين فِي وُضُوئِهِ وفِي تَسرِيحِ شَعرِهِ وفِي لبسِ نَعلِهِ، وإذا لبسَ الثوبَ يبدأُ بِاليَمِين ولكن إذا خَلعَهُ يبدأ بِالشِّمَال.

35ـ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ رضي اللهُ عنهُ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عنِ التَّرَجُّلِ إِلا غِبًّا.

 رواهُ التِرمِذِيُّ في الجَامِعِ وقال إنَّهُ صَحِيح، ورواه النَّسائِيُّ وأحمد وابنُ حِبَّانَ.

36ـ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَرَجَّلُ غِبًّا.

وهذا الحديث حسنُ الإسنادِ كما ذكرَ الحافِظُ العِرَاقِيُّ فِي المُغنِي ورواهُ أبو دَاودَ والنَّسَائِيُّ وأحمَدُ وغيرُهُم.

سيِّدُنَا محمَّد صلى الله عليه وسلم كانَ يُحِبُّ تَسرِيحَ شَعرِهِ لكن ليسَ كل يوم بل يفعَلُهُ مرةً ويَترُكُهُ مرةً وهذا أحسنُ لأجلِ عدم المداومة والزينة.

والمُرادُ في هذا الحديث بالتَرَجُّلِ إلا غِبًّا، أي تَسريحُ الشَّعرِ وقتًا معَ تَرْكِهِ وقتًا، ومِثْلُهُ الادِّهانُ لأنَّ إدامَتَهُ تُشْعِرُ بِمَزِيدِ الإمعَانِ فِي الزِّينَةِ، قال البَغَوِيُّ فِي شرحِ السُّنَّةِ ” فَكَرِهَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الإفراطَ فِي التَنَعُّمِ مِنَ التَّدْهِين والتَرجِيل وفِي مَعْنَاهُ مُظاهرةُ اللّباسِ على اللِّباسِ والطَّعامُ على الطَّعَامِ على ماهُوَ عادَةُ الأعاجِمِ ، وأمَرَ بِالقَصْدِ فِي جَمِيعِ ذلك وليسَ مَعناهُ تَرْكَ الطَّهَارَةِ والتَّنَظُّفِ فإنَّ النَّظَافَةَ مِنَ الدِّين.