حروب الردة وإرسال جيش أسامة

وقد وقع في خلافة أبي بكر حوادث جليلة من جملتها حرب الردة ، فإن الرسول لما مرض وقدم أبا بكر ،من شدة وجعه وألمه ما خرج من بيته ليؤم الناس المسلمين في الصلاة انتشر الخبر ، فادعى أناس من أهل الفساد النبوةَ في مواضع عديدة من الجزيرة من بينهم طليحة الأسدي والأسود العنسي ومسيلمة الكذاب وغيرهم ، فلما بلغ ذلك رسول الله لم يشغله مرضه عن الاهتمام بأمر الأمة ، وصار يرسل للمسلمين في النواحي التي ظهر فيها هؤلاء الناس كيف يتصرفون ، يقول لهؤلاء افعلوا كذا ولهؤلاء افعلوا كذا ففعل المسلمون ما أمرهم النبي فكادت فتن هؤلاء الكذابين تنطفىء في أكثر المواضع ، في ذلك الوقت توفي الرسول فعادت دعوة هؤلاء وقويت وارتد عدد من القبائل غير قليل ، ومنع كثير من الناس دفع الزكاة ، قالوا لا ندفع الزكاة ، قالوا كنا ندفع الزكاة لرسول الله ، أبو بكر لماذا يأخذها منا ؟ فصار حال المسلمين حرجا كان المسلمون في مكة والمدينة والطائف ثابتين على الإسلام ، لكن باقي المواضع قل أن تخلوا منطقة إلا ظهر فيها أهل الردة ، فارتد كثير من قبيلة غطفان وهي كبيرة وضخمة وكذا هوازن وسليم وعامر وبنو تميم وبنو حنيفة قوم مسيلمة الكذاب وقبائل أخرى ، حتى إن المرتدين تجمعوا قريبا من المدينة يريدون غزو المسلمين في المدينة ، في ذلك الوقت كان هناك جيش تحت قيادة أسامة بن زيد واقفا منتظرا خارج المدينة ، وكان النبي قبل وفاته قد وجَّهَه إلى ناحية بلاد الشام فلما صاروا خارج المدينة توفي الرسول فوقف أسامة بجيشه ينتظر أوامر الخليفة ماذا يقول له ، في ذلك الوقت بعض الصحابة صاروا يقولون لأبي بكر لو أنك لا تقاتل الآن الذين يمنعون الزكاة لو أنك تقاتل فقط الذين أظهروا الردة حتى لا تجمع على حربك كل هذا العدد الكبير ، فقال أبو بكر مقالة الرجل الواثق بالله :” والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه للرسول صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه  ” يعني لو منعوني أي شىء كانوا يدفعونه للرسول أقاتلهم عليه ، ما خاف ولا انهار فقالوا له لو أنك إذا لا تمضي جيش أسامة ، لو تحجزه عندك فيه أبطال فيه أبطال المسلمين إذا ابتعد عن المدينة واحتجت إليه كيف تصل إليه والمرتدون محدقون بالمدينة لو تستبقي هذا الجيش هنا ثم بعدما تنتهي ترسله إلى بلاد الشام ، فأبى بكر ذلك قال :” الجيش الذي أنفذه رسول الله أنا أوقفه ؟ لا أفعل ذلك أبدا ” لكنه أمر أسامة أن يمضي وذهب يودعه ماشيا وأسامة راكب فسار معه مدة على ذلك ثم استأذن أبو بكر أسامة أن يبقي عمر عنده ليستعين به فأذن له وترك عمر عنده ، ثم خرج جيش أسامة فما لقي إلا نصرا وغنيمة وكان في ذلك الخير للمسلمين لأن الكفار لما رأوا خروج الجيش قالوا لولا أن هؤلاء فيهم قوة ما تركوا هذا الجيش يخرج من بينهم كانوا أبقوه عندهم فتأخروا عن مهاجمة المدينة ، وعند ذلك استنفر أبو بكر المسلمين وخرج فأغار وفاجَأ المرتدين المجتمعين قريبا من المدينة فهزمهم ، ثم دعا لأناس من الصحابة فعقد لكل منهم لواءا أمر كل منهم على جيش ثم أمرهم بالتوجه إلى مواضع عديدة من المواضع التي فيها المرتدون فنصرهم الله ، من هؤلاء كان خالد بن الوليد أرسله أبو بكر لمساعدة المسلمين الذين كانوا في مواجهة مسيلمة الكذاب ، فإنه كان على رأس جيش هو أخطر الجيوش في مواجهة المسلمين ، كان معه أربعون ألف مقاتل من نجد من بلاد نجد فعبأ أبو بكر الناس أي طلب الناس وحث الناس على الخروج مع خالد بن الوليد وعيَّنَ على المهاجرين الذين معه قائدا وعلى الأنصار قائدا ولكل قبيلة قائد منهم ، فخرج خالد بهم حتى وصل إلى ناحية مسيلمة ، ومسيلمة هو واحد من بني حنيفة ادعى أن الله أشركه مع النبي في النبوة ، وكان يذكر لهم أسجاعا أي كلمات مسجعة يزعم أنها وحي أوحى الله إليه ، وكان رسول الله قد أرسل إنسانا إلى عند مسيلمة لنصيحته ونصيحة قومه قبل أن يموت الرسول أرسله لكن هذا الشخص لما وصل إلى هناك افتتن فقال للناس إنه سمع أن رسول الله يقول إن مسيلمة أشرك معه فكان هذا مما جمع حول مسيلة عددا كبيرا ، وكانوا يقولون له امسح على رؤوس صبياننا يريدون بذلك البركة فبعد ذلك كل من مسح على شعره سقط شعر رأسه وكل طفل حنكه صار فيه علة في نطقه وكل بئر مج فيه صار مالحا ، لكن هذه الأمور ما استبانت لهم إلا بعد مقتله ، ما ظهر أمر عدم إنبات الأرض فورا لأن النبات  يحتاج وقتا لينبت ، بعد موت مسيلمة استبانوا هذه الامور ، فتقابل الجمعان جمع المسلمين وعلى رأسهم خالد بن الوليد وجمع الكفار وعلى رأسهم مسيلمة واقتتلوا في مكان يقال له عقرباء وكان القتال شديدا جدا حتى إنه في وقت من الأوقات جزء غير قليل من جيش المسلمين تراجع ، حتى إن الكفار وصلوا إلى فسطاط خالد أي الموضع الذي فيه أغراض خالد ، وكان فيها إنسان محبوس منهم كان المسلمون أسروه قبل المعركة فأطلقه الكفار ، ثم إن المسلمين تداعوا صار يدعوا بعضهم بعضا للثبات ، فقال ثابت بن قيس وكان من أكابر الأنصار : ” اللهم إني أبرأ إليك مما يعبد هؤلاء  ” يعني بني حنيفة ” وأبرأ إليك مما يصنع هؤلاء ” يعني  المسلمين الذين هربوا وحث المسلمين على القتال ثم جال بسيفه حتى قتل ، وكذلك زيد بن الخطاب أخو عمر قال الآن وصل المشركون إلى رحالنا إلى أين نتراجع بعد الرحال ثم قاتل حتى قتل ، ثم قام البراء بن مالك أخو سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنهما قال :” إليَّ أيها المسلمون ليجتمعوا حوله أنا البراء بن مالك ” كان معروفا بشجاعته في الحرب ، فاجتمع حوله أناس ثم صار المسلمون يرجعون إلى القتال ، واشتدت الحرب اشتدادا عظيما حتى قتل المسلمون رجلا من أكابر قادة جيش مسيلمة الكذاب المسمى محكم اليمامة رماه عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق بسهم فقتله ، بعد ذلك جيش مسيلمة تداعى بسبب شدة القتل حتى أدخلهم المسلمون إلى حديقة اجتموعوا بسورها وفيهم مسيلمة ، فقال البراء ارموني عليهم من فوق السور ، فقالوا لا تفعل هذه مخاطرة شديدة ، فأقسم بالله أنهم يرمونه فرموه في الحديقة فاقتحم عليهم فقاتلهم حتى فتح للمسلمين باب الحديقة فدخل عليهم المسلمون فقاتلوهم فقتلوهم وقتلوا مسيلمة الكذاب ، واشترك وحشي الذي كان قتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه عندما كان كافرا اشترك مع رجل من الأنصار في قتله .

ثم تابع أبو بكر إنفاذ الجيوش لقتال باقي المرتدين .