دعوة إبراهيم عليه السلام لأبيه إلى دين الإسلام

دعوة ابراهيم عليه الصلاة والسلام أباه ءازر الى دين الاسلام بالحكمة والموعظة الحسنة
ذكر أهل التواريخ أن ابراهيم انطلق بزوجته سارة وابن أخيه لوط فخرج بهم من أرض الكلدانيين الى أرض الكنعانيين وهي بلاد بيت المقدس، فنزلوا حران وكان أهلها يعبدون الكواكب السبعة، فقام الخليل ابراهيم عليه السلام يدعو قومه الى دين الله وترك عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، وكان أول دعوته لأبيه ءازر الذي كان مشركاً يصنع الأصنام ويعبدها ويبيعها للناس ليعبدوها فدعاه الى عبادة الله وحده والى دين الحق الاسلام بألطف عبارة وبأحسن بيان وبالحكمة والموعظة الحسنة، قال الله تبارك وتعالى في محكم تنزيله: {واذكر في الكتاب ابراهيم انَّه كان صديقاً نبياً* اذ قال لأبيه يا أبت لمَ تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً* يا أبت اني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتَّبعني أهدك صراطاً سوياً* يا أبت لا تعبد الشيطان انَّ الشيطان كان للرحمن عصياً* يا أبت اني أخاف أن يَمَسَّك عذابٌ من الرحمن فتكون للشيطان ولياً} [سورة مريم]، وقال تعالى: {واذ قال ابراهيم لأبيه ءازرَ أتتخذ أصناماً ءالهةً اني أراك وقومك في ضلال مبين} [سورة الأنعام].

ذكر الله تبارك وتعالى في هذه الآيات ما كان جرى بين ابراهيم وأبيه من المحاورة والجدال الى عبادة الله وحده، وكيف دعا أباه الى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، وبيَّن له بطلان ما هو عليه من عبادة الأوثان التي لا تسمع دعاء عابدها ولا تبصر مكانه، فكيف تغني عنه شيئاً أو تفعل به خيراً من رزق أو نصر فهي لا تضر ولا تنفع، وأعلمه بأن الله قد أعطاه من الهدى والعلم النافع فدعاه الى اتباعه وان كان أصغر سناً من أبيه لأن اتباعه ودخوله الى الاسلام وعبادة الله وحده هو الطريق المستقيم السويّ الذي يفضي به الى الخير في الدنيا والآخرة. ثم بيَّن ابراهيم عليه الصلاة والسلام لأبيه أنه بعبادته للأصنام يكون منقاداً للشيطان الخبيث الفاجر الذي لا يحب للناس الخير بل يريد لهم الهلاك والضلال ولا يستطيع أن يدفع عنه عذاب الله ولا يردّ عنه عقوبته وسخطه يقول الله تعالى: {انَّ الشيطان لكم عدوٌ فاتخذوه عدواً انّما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} [سورة فاطر].

لم يقبل ءازر نصيحة نبي الله ابراهيم ولم يستجب لدعوته بل استكبر وعاند وتوعد وهدد ابنه ابراهيم بالشر والرجم والقتل وقال له ما أخبرنا الله تعالى عنه في القرءان: {قال أراغبٌ أنت عن ءالهتي يا ابراهيم لئن لم تنته لأرجمنَّك واهجرني ملياً} [سورة مريم] فعندها قال له ابراهيم ما حكاه الله عنه: {قال سلامٌ عليك سأستغفر لك ربي انَّه كان بي حفيا} [سورة مريم] أي سلام عليك لا يصلك مني مكروه ولا ينالك مني أذى، وزاده بأن دعا له بالخير فقال: {سأستغفر لك ربي انَّه كان بي حفياً} [سورة مريم].

ومعنى قوله: {سأستغفر لك ربي} أي سأطلب من الله أن يغفر لك كفرك بالدخول في الاسلام وليس معناه اني أطلب لك باللفظ كما يستغفر المسلم للمسلم بقوله: الله يغفر لك أو استغفر الله لك، ومعنى قوله: {انه كان بي حفيا} أي لطيفاً يعني في أن هداني لعبادته والاخلاص له ولهذا قال ما حكاه الله عنه في كتابه العزيز: {وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا} [سورة مريم]، وقد استغفر ابراهيم لأبيه ءازر على المعنى الذي ذكرناه سابقا كما وعده ابراهيم في أدعيته فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه كما قال تعالى: {وما كان استغفار ابراهيم لأبيه الا عن موعدة وعدها اياه فلما تبين له أنه عدوٌ لله تبرأ منه} [سورة التوبة]، أي لما علم أنه لا يسلم بل يموت على الكفر تبرأ منه.