سفينة نوح عليه السلام

بناء سيدنا نوح للسفينة ونزول العذاب بالكفار

ثم إن الله أوحى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن قال تعالى: {وأُوحيَ إلى نوحٍ أنَّهُ لن يُؤمِنَ مِن قومِكَ إلا مَنْ قد ءامنَ} [سورة هود]، فلما يئس من إيمانهم دعا عليهم فقال: {ربِّ لا تذر على الأرضِ مِنَ الكافرينَ دَيَّارًا* إنَّكَ إنْ تذرهُم يُضِلُّوا عِبادكَ ولا يَلِدوا إلا فاجِرًا كَفَّارًا} [سورة نوح] فلما شكا إلى الله واستنصره عليهم أوحى الله إليه: {واصنَعِ الفُلْكَ بأعيُنِنا وَوَحْيِنا ولا تُخاطِبني في الذينَ ظلموا إنَّهُم مُغرَقونَ} [سورة هود]، قال تعالى: {ولقد نادانا نوحٌ فَلَنِعْمَ المُجيبونَ* ونَجَّيْناهُ وأهلهُ مِنَ الكرْبِ العَظيمِ} [سورة الصافات].

فأقبل نوح على عمل السفينة وجعل يهيء الفلك من الخشب والحديد والقار وغيرها، وجعل قومه يمرون به وهو في عمله فيسخرون منه وكانوا لا يعرفون الفلك قبل ذلك، ويقولون: يا نوح صرت نجارًا بعد النبوة! وأعقم الله أرحام النساء فلا يولد لهن. وصنع الفلك من خشب الساج وقيل غير ذلك، ويقال إن الله أمره أن يجعل طوله ثمانين ذراعًا وعرضه خمسين ذراعًا، وطوله في السماء ثلاثين ذراعًا. وقيل: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع وقيل غير ذلك والله أعلم.

ويقال إن نوحًا جعل الفلك ثلاث طبقات: سفلى ووسطى وعليا، السفلى للدواب والوحوش، والوسطى للناس، والعليا للطيور، حتى إذا فرغ منه وقد عهد الله إليه {حتى إذا جاءَ أمرنا وفارَ التَّنُّورُ قُلنا احْمِلْ فيها مِن كُلّ زوْجَينِ اثنينِ وأهلَكَ إلا مَن سَبَقَ عليهِ القولُ ومَنْ ءامَنَ وما ءامَنَ معهُ إلا قليلٌ} [سورة هود] وقد جعل التنور ءاية، وقيل: إنه طلوع الشمس، وكان تنورًا من حجارة كانت لحواء، وقيل: كان تنورًا من أرض الهند، وقيل: بالكوفة، وأخبرته زوجته بفوران الماء من التنور، ولما فار التنور حمل نوح مَنْ أمر الله بحمله وكانوا ثمانين رجلاً، وقيل غير ذلك. وكان فيها نوح وثلاثة من بنيه سام وحام ويافِث وأزواجهم وتخلف عنه ابنه قيل اسمه يام وقيل كنعان وكان كافرًا. ويقال إن نوحًا حمل معه جسد ءادم عليه السلام، وقال تعالى: {وقالَ اركَبُوا فيها بسمِ اللهِ مَجراها ومُرساها إنَّ ربي لغفورٌ رحيمٌ} [سورة هود].

ثم إن المطر جعل ينزل من السماء كأفواه القرَبِ، فجعلت الوحوش يطلبن وسط الأرض هربًا من الماء حتى اجتمعت عند السفينة فحينئذٍ حمل فيها من كل زوجين اثنين.

لما اطمأن نوح في الفلك، وأدخل فيه من أمر به جاء الماء كما قال تعالى: {ففتحنا أبوابَ السَّماءِ بماءٍ مُنهَمرٍ* وفجَّرنا الأرضَ عُيونًا فالتقى الماءُ على أمرٍ قدْ قُدِّرَ* وحَملناهُ على ذاتِ ألواحٍ ودُسُرٍ} [سورة القمر] والدسر: المسامير. وقوله تعالى: {تجري بأعيننا} [سورة القمر] أي بحفظنا وحراستنا.

وجعلت الفلك تجري بهم في موج كالجبال قال الله تعالى: {وهِيَ تجري بهم في موجٍ كالجبالِ} [سورة هود]، وذلك أن الله تعالى أرسل من السماء مطرًا لم تعهده الأرض قبله وأمر الأرض فنبعت من جميع فجاجها، ونادى نوح ابنه الذي هلك لأن يؤمن ويصعد وكان في معزل: {يا بُنَيَّ اركَبْ معنا ولا تكُن معَ الكافرينَ} [سورة هود] وكان كافرًا خالف أباه في دينه، {قالَ سآوي إلى جبلٍ يَعصمُني مِنَ الماءِ} [سورة هود]، فقال نوح: {قالَ لا عاصِمَ اليومَ مِنْ امرِ اللهِ إلا مَن رَحِمَ وحالَ بينهما الموجُ فكانَ مِن المُغرقينَ} [سورة هود].

قال جماعة من المفسرين: أرسل الله المطر أربعين يومًا، ويقال: إنهم ركبوا فيها لعشر ليالٍ مضين من رجب وخرجوا منها يوم عاشوراء من المحرم، وكان والماء نصفين نصفًا من السماء ونصفًا من الأرض وقد ارتفع الماء على أعلى جبل في الأرض قيل: خمسة عشر ذراعًا، وقيل ثمانين والله أعلم، وقد عم جميع الأرض سهلها وحَزنها وجبالها وقفارها، فلم يبق على وجه الأرض أحد ممن عبد غير الله عز وجل، قال الله تعالى: {فكَذَّبوهُ فأنجيناهُ والذينَ معهُ في الفُلكِ وأغرقنا الذينَ كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قومًا عَمينَ} [سورة الأعراف]، وقال تعالى: {ونصرناهُ مِنَ القومِ الذينَ كذبوا بآياتنا إنَّهم كانوا قوم سَوءٍ فأغرقناهم أجمعينَ} [سورة الأنبياء]. وطافت السفينة بالأرض كلها لا تستقر حتى أتت الحرم فدارت حوله أسبوعًا، ثم ذهبت في الأرض تسير بهم حتى انتهت إلى جبل الجودي وهو بأرض الموصل فاستقرت عليه.

قال تعالى: {وقيلَ يا أرضُ ابْلعي ماءَكِ ويا سماءُ أقْلِعي وَغيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمرُ واستوت على الجودي وقيلَ بُعدًا للقومِ الظالمينَ} [سورة هود]. ثم لما غاض الماء أي نقص عما كان وأمكن السعي فيها والاستقرار عليها هبط نوح ومن معه من السفينة التي استقرت بعد سيرها على ظهر الجودي قال الله تعالى: {قيلَ يا نوحُ اهبط بسلامٍ مِنَّا وبركاتٍ عليكَ وعلى أمَمٍ مِمَّن معكَ وأممٌ سنُمَتِّعُهُم ثمَّ يَمَسُّهُم مِنَّا عذابٌ أليمٌ} [سورة هود].

ذكر اليوم الذي استقرت فيه السفينة

قال قتادة وغيره: “ركبوا في السفينة في اليوم العاشر من شهر رجب فساروا مائة وخمسين يومًا واستقرت بهم على الجودي شهرًا، وكان خروجهم من السفينة في يوم عاشوراء من المحرم” اهـ، وقد روى ابن جرير خبرًا مرفوعًا يوافق هذا، وأنهم صاموا يومهم ذلك.

وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بأناس من اليهود وقد صاموا يوم عاشوراء فقال: “ما هذا الصوم؟” فقالوا: هذا اليوم الذي نجى الله فيه موسى وبني اسرائيل من الغرق، وغرق فيه فرعون، وهذا اليوم استقرت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح وموسى شكرًا لله عز وجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “أنا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم”، وهذا الحديث له شاهد في الصحيح من وجه ءاخر إلا أنه ليس فيه ذكر نوح عليه السلام.

ثم إن نسل أهل السفينة انقرضوا غير نسل ولده فالناس كلهم من ولد نوح، ولم يُجعل لأحد ممن كان معه من المؤمنين نسلٌ ولا عقبٌ سوى نوح عليه السلام، قال تعالى: {وجَعلنا ذُريتهُ هُمُ الباقينَ} [سورة الصافات]، فكل من على وجه الأرض اليوم من سائر أجناس بني ءادم ينسبون إلى أولاد نوح الثلاثة.

روى الإمام أحمد عن سَمُرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم” ورواه الترمذي عن سمرة مرفوعًا بنحوه، وقيل: المراد هنا الروم الأول وهم اليونان، وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: “ولد نوح ثلاثة: سام ويافث وحام، وولد كل واحد من هؤلاء الثلاثة ثلاثة: فولد سام العرب وفارس والروم، وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج، وولد حام: القبط والسودان والبربر”.