صلاح الدين الأيوبي

الناصر صلاح الدين الأيوبي

السلطان المجاهد

الحمد لله الذي قيض للإسلام أفذاذًا من الرجال، يذودون عن حياضهِ كل مبتدع دجال، ويمتثلون أمر الله عز وجل أحسن امتثال، لهم البشرى في الحياة الدنيا ولهم العقبى وحسن مآل، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صاحب الإكرام والإجلال، وعلى من اتبعه بإحسان من صحب وءال، والتابعين لهم في الحال والمقال والأفعال. أما بعد:

فقد قال تعالى في محكم التنزيل: ((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)).

أرسل الله نبيه بالهدى ودين الحق فعلَّمَ الرجالَ ونشر التوحيد وأخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربه عز وجل، وترك نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم هذه الأمة على خير بيان وخير نهج، وسن لهم السنن وأعلمهم بالواجبات، من مشى على دربه سعد ومن زاغ عن هديه شقي وضل، وقام أصحابه بعده بواجب الدعوة إلى دين الله بالسنان واللسان، فهدى الله بهم الناس وأزال بهم ممالك الكفر والجبروت، وانتقلت سيرتهم رضي الله عنهم لمن جاء بعدهم، وما يزال الخير باق في هذه الأمة، فنجد في سلفها وخلفها قادة وعلماء وأفذاذا ورجالا أبطالا نشروا الحق هنا وهنالك، ومن هؤلاء الأبطال الذين لا يشق لهم غبار ولا تنكس لهم راية ولا يضرهم كيد الكائدين وحسد الحاسدين وسهام الجاهلين، بطل عرفه منا الكبير والصغير وتربينا في مدارسنا ونحن نسمع آباءنا وأجدادنا يتكلمون عنه، ارتبط اسمه بالجهاد من جهة، وارتبط اسمه بالعزة الإسلامية من جهة، وارتبط اسمه ببيت المقدس الذي استقر حبه في قلب كل مسلم معتدل محب لنهج الأنبياء، وارتبط اسمه كذلك بسير العلماء والزهاد، إنه السلطان البطل المجاهد القائد الفذ العالم الفقيه ناصر الدين ومعز الإسلام والمسلمين، وقاهر الصليبيين وفاتح بيت المقدس في فلسطين، صلاح الدين الأيوبي رضي الله عنه وأرضاه ورحمه وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وليس بغريب على ما عهد الناس من العادات أن نجد من يطعن في مثل هذا البطل المجاهد صاحب السيرة ناصعة البياض لكثرة أمراض القلوب وتفشيها، وهذا لا يضره رحمه الله ولا يسقط من رتبته العلية في قلوبنا وقلوب أولادنا، ونتمثل بما قال بعض الفقهاء دفاعا عن أبي نعيم رحمه الله:

                           لَوْ رَجَمَ النَّجْمَ جَمِيعُ الْوَرَى               لَمْ يَصِلِ الرَّجْمُ إِلَى النَّجْمِ

وأحببنا أن نذكر في هذا العدد شيئا من سيرته العطرة ونذكر أنفسنا وإياكم بمواطن العز في تاريخ أمتنا المشرق والله ولي التوفيق.

نسبه ومولده:

هو العالم الورع والفارس المجاهد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي. ولد سنة خمسمائة واثنين وثلاثين للهجرة في قلعة “تكريت” وهي مدينة تقع على ضفاف دجلة جنوبي بغداد في العراق. كان أبوه واليًا على المدينة ثم انتقل معه إلى الموصل واستقر فيها برعاية عماد الدين زنكي.

نشأته وحنكته السياسية:

انتقل والده نجم الدين أيوب مع أهله إلى بعلبك بعد أن عيّنه عماد الدين واليًا عليها، ولكن لم يطل مقامهم في بعلبك حيث انتقلوا للعيش في دمشق، وقد تولّى صلاح الدين رئاسة شرطة دمشق في عهد نور الدين. وبعد وفاة الأتابك نور الدين بن عماد الدين زنكي عام خمسمائة وتسع وستين للهجرة استقلّ صلاح الدين بحكم مصر والشام وغيرها، ثم شمّر عن ساعده لتوحيد البلاد الإسلامية، وجهز الجيوش لقتال الإفرنج وانتزاع ما بقي من أراضي الشام. كما جهز جيشًا لاسترداد اليمن وبعثه إليها وعلى رأسه أخوه توران شاه بن أيوب، حيث وجد صلاح الدين أن ضم بلاد اليمن إلى ملكه سيجعل المسلمين يُحكمون السيطرة على منافذ البحر الأحمر لحماية الأراضي المقدسة في الحجاز، خصوصًا بعد استعادة منطقة العقبة الواقعة على البحر الأحمر. كما وأن عدن أصبحت مركزًا مهمًا للتجارة الإسلامية، فالمطلوب حمايتها من هجمات الإفرنج الذين قد يفكرون بالاتصال بأنصارهم في بلاد الحبشة، فكان من المهم تحصين المنفذ الجنوبي للبحر الأحمر.

وهكذا، وبعد أن جهز صلاح الدين الجيش، عبر أخوه بالجيوش الإسلامية البحرَ إلى جدة ومنها إلى مكة حيث دخلها معتمرًا، ثم سار إلى “زبيد” وتمت السيطرة عليها، وتم أسر حاكم “عدن”. كما واصل الجيش تقدمه فملك القلعة في “تعز” وهي من أحصن القلاع، وعامل أهلها بالإحسان وقضى على الانقسام والتشرذم فيها، وقضى على بقايا النفوذ الفاطمي. وقد حكم بنو أيوب اليمن أكثر من نصف قرن من الزمن.

الاستيلاء على حصن الكرك:

تولى حكم المنطقة “رونالد شانيون” المعروف بـ”أرناط” كما تسميه العرب.

كان “أرناط” هذا شخصًا مقامرًا متهورًا ناقضًا للعهود، فكثيرًا ما خرق العهود والمواثيق المعقودة مع المسلمين، فيعتدي على القوافل التجارية الإسلامية وينهبها. فكان من السلطان صلاح الدين أن وضع نصب عينيه خطة للاستيلاء على الحصن الذي يعتبر شوكة في خاصرة المسلمين. فحاصر صلاح الدين القلعة واستمر الحصار لأكثر من عام، فأرسلوا يطلبون الأمان مقابل تسليم الحصن فوافق وتسلم القلعة وأمّن من فيها على أنفسهم.

النصر الكبير في حطين:

دارت المعركة في المنطقة الممتدة بين “طبرية” شرقًا و”صفورية” غربًا، وهذا الجزء جاف وعرٌ قليل المياه إلا من الآبار والينابيع المحلية النادرة. ومع أن استعادة بيت المقدس وتخليص الأقصى من يد الإفرنج كان الهدف الذي يسعى إليه السلطان المجاهد بعد أن وحَّد الجبهة الإسلامية وأمّن الحدود، غير أنه لم يشأ أن يكون هو البادئ بالحرب لحنكة هو أرادها فانتظر حتى بدأ “أرناط” صاحب الكرك المشهور بالخيانة والغدر، فكانت القشة التي قصمت ظهر البعير والشرارة التي أشعلت نيران الحرب، وذلك أن “أرناط” اعتدى على قافلة كانت تمر بالكرك في طريقها من مصر إلى الشام، فنهبها وأسر وقتل من فيها، وقال للأسرى وهو يعذبهم: “فليأت محمدكم ليخلصكم”، فغضب صلاح الدين ونذر لئن مكّنه الله منه ليقتلنه بيده. ودعا صلاح الدين إلى النفير والتعبئة الشاملة للجهاد. وبعد أن كملت الاستعدادات وجاءت الجيوش الإسلامية متطوعة من شتى الممالك الإسلامية، غادر صلاح الدين دمشق إلى بصرى وبدأ بمهاجمة “الكرك” ثم استولى على “طبرية” واستعصت عليه قلعتها فتركها إلى حين يعود إليها، وبدأ بتحصين موقعه. وهنا تبرز مهارة صلاح الدين العسكرية إذ لم يتقدم بجيوشه إلى المعركة، بل سعى لإجبار العدو على المسير إليه، حتى ينهك جيشهم وخيولهم.

وسار جيش الصليبيين بأسلحتهم وخوذاتهم ودروعهم الحديدية، وأشعة الشمس تنعكس على رمال الصحراء فتلهب الجو لهيبًا، حتى كادت أجسامهم تقع تحت ثقل حديد دروعهم ولباسهم الساخن، وذلك يوم السبت لخمس بقين من ربيع الآخر سنة خمسمائة وثلاث وثمانين للهجرة.

ولما بدأت المعركة حاصر المسلمون الأعداء وأحاطوا بهم إحاطة السوار بالمعصم، وأشبعوهم ضربًا وقتلًا وأسرًا. كما لجأ صلاح الدين إلى إشعال النار في الأعشاب اليابسة المحيطة بمعسكر الأعداء فانهارت قواهم وقُتل منهم عدد كبير ووقع الباقي في الأسر.

قال المؤرخ ابن الأثير المعاصر لتلك الموقعة في تاريخه: “كل من يرى القتلى يحسب أن ليس هناك أسرى وكل من يرى الأسرى يحسب أن ليس هناك قتلى”.

وكان من بين الأسرى معظم قوادهم وملوكهم ومن بينهم “أرناط”. وعنّف صلاح الدين “أرناط” على فعلته الشنيعة مع قافلة المسلمين واستهزائه بمقام النبوة وعرض عليه الإسلام فأبى، فاستل صلاح الدين سيفه وقال له: “ها أنا أنتصر لمحمد صلى الله عليه وسلم” فضربه تنفيذًا لوعده وبرًا بقسمه. وإثر ذلك انهارت الدولة المسماة “أورشليم”، وتمكن السلطان صلاح الدين من استرجاع جميع مدنها وقلاعها، وبدأت المدن تسقط بأيدي المسلمين الواحدة تلو الأخرى لا سيما عكا ويافا وحيفا وصيدا وبيروت وجبيل.

حبه للعلم الديني وتقواه:

سلك صلاح الدين مسلك السلف الصالح في المحافظة على الدين والتمسك بالعقيدة الصافية النقية عقيدة أهل الحق. فقد أمر رضي الله عنه بتدريس العقيدة الإسلامية والتي فيها تنزيه الله عن المكان والحيز واللون وسواها من صفات المخلوقين في الكتاتيب والمدارس، وقد ألّف العلامة محمد بن هبة الله المكي رسالة في العقيدة سماها “حدائق الفصول وجواهر الأصول” في علم العقيدة على أصول أبي الحسن الأشعري رحمه الله، أهداها إلى السلطان صلاح الدين الذي أمر بتعليمها في المدارس للصبية الصغار فعُرفت بالعقيدة الصلاحية ومما يقوله فيها:

وصانعُ العالم فَرْدٌ واحد *** ليس له في خلقِهِ مساعدُ

جلَّ عن الشريك والأولاد *** وعزّ عن نقيصة الأندادِ

وهو قديم مالَهُ ابتداءُ *** ودائم ليس له انتهاء

مآثره:

ومن مآثره الحميدة أنه أبطل المكس [الضريبة] المأخوذ من الحجاج في البحر.

وكان مواظبًا على صلاة السنة وكان له ركعات يصليها إذا استيقظ بوقت من الليل، وإلا صلاها قبل صلاة الصبح.

ذكر طرف من مناقبه وشجاعته:

كان السلطان صلاح الدين رضي الله عنه ديّنًا ورعًا زاهدًا كثير العبادة، وكان كثيرًا ما يتأثر بسماع القرءان الكريم ولربما استقرأ الحارس بالليل الجزءين والثلاثة والأربعة وهو يسمع، وكان رحمه الله خاشع القلب غزير الدمعة رفيقًا حليمًا شفوقًا ناصحًا محبًا للعلم وطلبه، شديد الرغبة في سماع الحديث.

ومن أشهر أعماله الحربية وأعظمها تحرير بيت المقدس وفتح القدس، حيث نزل عليها في الخامس عشر من رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وتسلمها يوم الجمعة في السابع والعشرين من رجب لمناسبة ذكرى الإسراء والمعراج وأقيمت الجمعة، فعلت الأصوات بالتكبير والتهليل، وكان فتحًا وتحريرًا عظيمًا مهيبًا.

من وصاياه:

وقد ورد أنه أوصى أحد أولاده قائلًا: “أوصيك بتقوى الله، فهي رأس كل خير، وءامرك بما أمر الله به، فإنه سبب نجاتك، واحذر من الدماء والدخول فيها والتقلد بها، فإن الدم لا ينام، وأوصيك بحفظ قلوب الرعية والنظر في أحوالها، ولا تحقد على أحد فإن الموت لا يُبقي على أحد”.

وكان يتخير وقت صلاة الجمعة للهجوم على أعدائه تبركًا بدعاء الخطباء له بالنصر على المنابر.

ءاثاره ووفاته:

وكان شافعي المذهب، أشعري الاعتقاد، لحقه ليلة السبت سادس عشر من صفر تعب عظيم وغشيته نصف الليل حُمى شديدة وأخذ المرض في التزايد، فقصده الأطباء واجتمعوا لديه ينظرون أمره والحمى تثقل عليه حتى أخذته رعشة وأغمي عليه، واشتد الخطب في البلد فعم الحزن وكثر البكاء، ولحقه في اليوم العاشر من مرضه عرق شديد حتى نفذ من الفراش، واشتد مرضه ليلة الثاني عشر من مرضه، فحضر عنده الشيخ أبو جعفر إمام الكلاسة ليبيت عنده في القلعة يذكره الشهادتين عند الاحتضار، فكان أن توفي السلطان من تلك الليلة في السابع والعشرين من صفر، وأخرج بعد صلاة الظهر من يوم الأربعاء في تابوت مسجى، وصلى عليه الناس ثم دفن في قلعة دمشق في الدار التي كان يقيم بها، وأنزل إلى لحده وقت العصر بعد الصلاة من اليوم المذكور، وقد كانت وفاته سنة تسع وثمانين وخمسمائة عن سبع وخمسين سنة، وخلف سبعة عشر ذكرًا وبنتًا واحدة. ولم يوجد في خزانته الخاصة سوى دينارٌ وأربعون درهمًا. أقام في السلطنة أربعًا وعشرين سنة توفي بعدها، وله مقام ظاهر يزوره المسلمون تبركًا بسيرته العطرة ونهجه السوي.

رحم الله السلطان المجاهد صلاح الدين بطل وقعة حطين ومحرر بيت المقدس، فقد كان رجل عقيدة وصاحب زهد وتقى، حقق لأمة الإسلام عزّها وقهر أعداءها، وجعل كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.