علي بن أبي طالب رضي الله عنه

هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، فيلتقي نسبه مع نسب النبي صلى الله عليه وسلم عند عبد المطلب ، لأن النبي هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ، وعلي هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب فهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنيته أبو الحسن وكان يقال له أبا تراب ، هو كان يفرح إذا نودي بأبي تراب ، لأن الذي سماه بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك أنه كان يوماً غاضب السيدة فاطمة ، فخرج من البيت منزعجًا فخرج فنام في المسجد ، وفي تلك الأيام المساجد كان أرضها ترابًا ، فجاءه رسول الله عليه الصلاة والسلام فصار يمسح التراب عن ظهره ويقول له ” قم أبا تراب ” فكان بعد ذلك يفرح إذا نودي بهذا الاسم .

وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم ، فأمه هاشمية أيضاً ، فكانت هي أول هاشمية تلد هاشمياً ، وقد ولد رضي الله عنه داخل الكعبة ، ثم هي بعد ذلك أدركت الإسلام ، وأسلمت وهاجرت ، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة ، وصهر رسول الله صلى الله عليه وسلم أي زوج ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها ، وكانت أحبَّ بنات الرسول إليه وأفضلَهن ، بل هي أفضل نساء العالمين بعد مريم بنت عمران رضي الله عنها وأفضل نساء هذه الأمة ففي مسلم أنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ لفاطمة رضي الله عنها: «أَلاَ تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ. أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هذِهِ الأُمَّةِ؟» ، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أحد السابقين الأولين إلى الإسلام ، حتى قيل هو أول من أسلم ، وكان عالماً غزير العلم ، كان أعلم الصحابة في أمور القضاء ، فقد روى الحاكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله وهو شاب إلى اليمن ، فقال علي للرسول يا رسول الله بعثتني إليهم وأنا رجل شاب لأقضي بينهم ، أي ما عندي خبرة فوضع رسول الله يده على صدره وقال:-” اللهم اهد قلبه وثبت لسانه ” قال علي فوالذي خلق الحبة ما شككت بعد ذلك في قضاء بين اثنين ” .

لذلك كان ابن عباس يقول عن سيدنا علي رضي الله عنهما إذا روى لنا الثقة (أي إذا جاءت الفتوى عن علي) لا أعدوها أي لا أبحث عن غيرها.

وكان عمر بن الخطاب يقول أعوذ بالله من معضلة ليس فيها أبو الحسن ، أي إذا حصلت مشكلة أتمنى وجود علي فيها لنسأله عن حكمها.

وكان من سعة علمه يقول للناس أيها الناس سلوني ، وكان زاهداً شديد الزهد ، كان أحياناً أصحابه يسمعونه يقول يا دنيا غري غيري فإني قد طلقتك ثلاثاً.

وكان من الشجعان المشهورين ، والخطباء المعروفين ، وأحد من حفظ القرءان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو والد الحسن والحسين سبطي رسول الله أي ابني بنت رسول الله ، يقال أسلم وعمره عشر سنين ، وقال بعض ثمانية وقال بعض أقل من ذلك ، لذلك شهر أنه ما عبد الأوثان قط ، ولما هاجر الرسول للمدينة أمره أن يمكث في مكة ليؤدي الأمانات التي تركها الناس عند رسول الله للناس ، ففعل ذلك ثم هاجر للمدينة ، وشهد مع رسول الله بدرًا وأحدًا وسائر المشاهد إلا تبوك ، فإن النبي استخلفه على المدينة حين خرج لغزوة تبوك ، ثم بعدما قطع رسول الله مسافة لحق علي به ، فقال يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان ، وذلك أن بعض الناس عيَّره بهذا الأمر ، قالوا تركه مع النساء والصبيان ، فأراد رسول الله أن يعرّف الناس بعلو مقامه ، فأخذ بيده وقام بالناس وخطب بالناس وقال لهم ” من كنت مولاه فهذا مولاه ” يعني من كنت أنصره فهذا ينصره معناه علي لا يغش أحدًا من الأمة لا تطعنوا فيه هذا لا يغش أحدًا ودعا له قال ” اللهم والي من والاه ” يعني من ينصر عليًا يا رب انصره.

وكان له رضي الله عنه في جميع المشاهد التي شهدها مع الرسول أخبار ومشاهد مشهورة ، ففي يوم الخندق كان علي بعدُ شابًا حدثًا ، فخرج رجل من المشركين من فرسانهم المعدودين والمقدمين عندهم ، اسمه عمرو بن عبدُود العامري ، فخرج يطلب المبارزة ، فخرج إليه سيدنا علي رغم حداثة سنه ، فلما رآه عمرو بن عبدود قال له من أنت ؟ لأنهم كانوا يأنفون من مبارزة من لا يكون في مستواهم لذلك سأله ، فانتسب له علي أي عرَّفه باسمه ونسبه فقال له ارجع يا ابن أخي فإني أشفق أن أقتلك ، لأنه رآه شاباً ، فقال له علي ولكن أنا أحب أن أقتلك ، فغضب عند ذلك فتقاتلا فقتله الإمام علي ، وما بارز يومًا أحدًا إلا كانت له الغلبة ، وهو أحد الذين ثبتوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد ، ويقال أصابته ذلك اليوم ست عشرة ضربة ، وأعطاه رسول الله اللواء في أكثر من معركة ، منها في معركة خيبر الرسول أعطاه الراية يومئذ ، فقد ثبت في صحيحي البخاري ومسلم أن المسلمين لما قاتلوا اليهود في نواحي خيبر عندما وصلوا إلى حصن خيبر ما فُتِح الحصن على يدهم في اليوم الأول ، ثم في اليوم الثاني ما حصل ذلك أيضاً ، ثم قال رسول الله  “لأعطينّ الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ” قال سيدنا عمر فصرت أتطاول لهذا الأمر ذاك يومٌ أحببت فيه الإمارة حتى يكون هذا المدح من رسول الله لي ، ثم في اليوم التالي دعا رسول الله لعلي قال “أين علي “؟ فقالوا له في عينه رمد ، فجيء به بين رجلين يمسكانه ، فبصق رسول الله على عينه فشفي في الحال ، فأعطاه رسول الله الراية فمضى بها ، ثم وقف من غير أن يلتفت فقال يا رسول الله إلى ماذا أدعوهم ؟ فقال : ” أدعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن أبَوْا فالجزية وإن أبوا فقاتلهم ” وكان الرسول قد ذكر في اليوم السابق أن الفتح يكون على يديه ، فمضى علي حتى وقف بساحتهم ، ثم عرض عليهم ما قال رسول الله فأبوا إلا القتال ، وخرج منهم فارس معروف يقال له مَرحَب وقال شعرًا بعد أن خرج يطلب المبارزة يقول:-

قد عَلِمت خيبرُ أني مَرحَبُ           شاكي السلاح بطلٌ مجرّبُ

فخرج إليه سيدنا علي فقال:-

أنا الذي سمتني أمي حيدرا           كَلَيثِ غاباتٍ كريه المنظــرا

أكيلكم بالسيف                   كيل السندرا

ثم أن مَرحَبًا ضرب سيدنا عليًا فاتقى ضربته بتُرس في يده ، ثم ضربه سيدنا علي على رأسه ففلق رأسه ، حتى عضَّ السيفَ بأسنانه أي أن السيف علق بضرسه ثم كان الفتح على يديه.

وكان سميناً ، أصلع سقط شعر رأسه من بعض النواحي كثير شعر البدن ، ربعة أميل إلى القصر ، متوسط الطول لكن أميل إلى القصر عظيم البطن عظيم اللحية جدًا آدم أي أسمر .

وورد في فضله أحاديث كثيرة ، منها ما أخرجه البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :-” أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي ” معناه ما ترضى أن تخلفني في قومي في غيبتي إلى غزوة تبوك كما خلف هارون أخاه موسى في غيبته إلى ميقات ربه ، غير أنه لا نبي بعدي معناه أنت لا تكون نبياً .

كذلك ما رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما :-” من كنت مولاه فهذا مولاه اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه ” وروى مسلم عن علي أنه قال:-” والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي إليَّ لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق ” يعني أن النبي قال لي هذا الكلام .

وقد كان شديد المراعاة للعدل ، فقد وجد سيدنا علي درعه مع يهودي فقال لليهودي الدرع درعي ولم أبع ولم أهب فقال اليهودي أنت تعرف إذا كان الإنسان بيده شيء لا يؤخذ منه إلا بدليل وقال له هذه درعي بيدي فقال علي نسير إلى القاضي فذهبا إلى القاضي فتقدم علي وجلس بجانب القاضي وقال لولا أن خصمي يهودي لأستوينّ معه في المجلس لكنه ليس مسلماً فلا أساويه فقال شريح القاضي قل يا أمير المؤمنين ماذا تريد ؟ فقال نعم هذه الدرع التي في يد هذا اليهودي درعي ولم أبع ولم أهب فقال شريح ماذا تقول يا يهودي فقال هذه درعي وهي في يدي فقال شريح لعلي ألك بينة يا أمير المؤمنين ألك من يشهد أن هذه الدرع درعك فقال نعم ولدي وخادم عندي فقال شريح شهادة الابن لا نمشيها لأبيه فلما سمع اليهودي ذلك قال أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه ثم القاضي يحكم لي عليه ‍‍ تعجب ، أشهد أن هذا هو الحق أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله وأن الدرع درعك يا أمير المؤمنين عند ذلك قال علي أبقها معك ثم هذا الرجل كان يقاتل بها في سبيل الله.

ومما يدل على شدة عدله ما فعله مع الذين حاربهم من المسلمين كان يُشدد على جنوده أن لا يقتلوا جريحًا ولا يتبعوا مدبرًا ولا يسلبوا أموالهم .

حتى لما ضُرب ما قال مثلوا بهذا الذي ضربني واقتلوا أصحابه اجعلوه عبرة إنما شدد عليهم أن لا يقتلوا إلا القاتل .

وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال:- ” لما قدم علي البصرة قام إليه رجلان ابن الكوّائي وقيس بن عبّاد فقالا له ألا تخبرنا عن مسيرك هذا الذي سيّرت فيه أي عن هذا المسير الذي سيّر فيه لقتال المسلمين تتولى على الأمة تضرب بعضهم ببعض يعني أنت صرت خليفة فصرت تقاتل ببعض المسلمين بعض المسلمين أعهدٌ من رسول الله عهده إليك أي الرسول عهد إليك بالخلافة حتى تقاتل المسلمين من أجل ذلك فحدثنا فأنت الموثوق المأمون على ما سمعت  فقال علي أما أن يكون عندي عهد من النبي في ذلك فلا والله لئن كنت أول من صدق به لا أكون أول من يكذب عليه ولو كان عندي من النبي عهد في ذلك ما تركت أخا بني تيم بن مرة يعني أبا بكر لأنه من عشيرة بني تيم وعمر بن الخطاب يقومان على منبره ولقاتلتهما بيدي ولو لم أجد إلا بُردي هذا يعني لو لم أجد شيئًا أقاتلهم به إلا ثوبي هذا ولكن رسول الله لم يُقتل بالسيف ولم يمت فجأة مكث في مرضه أياماً وليالي يأتيه المؤذن فيُعلِمُهُ في الصلاة فيأمر أبا بكر فيصلي بالناس ويرى مكاني ولقد أرادت امرأة من نسائه أن تصرفه عن أبي بكر فأبى وغضب وقال أنتنّ صواحب يوسف ” يعني أنتنّ النساء اللاتي من جنسكنّ مَكرنّ بيوسف عليه السلام ” مروا أبا بكر فليصل بالناس معناه لا تتدخلن بهذا الأمر بعد الآن قال علي فلما قبض الله نبيه نظرنا في أمورنا فاخترنا لدنيانا من رضيه النبي لديننا فبايعنا أبا بكر وكان لذلك أهلاً ولم يختلف عليه من اثنان فأديت إلى أبي بكر حقه أطعته وغزوت معه في جنوده وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأضرب بين يديه الحدود بسوطي إذا كان هناك حد على إنسان أمرني أن أقيم عليه الحد كنت أفعل فلما قبض تولاها عمر بأخذها بسنة صاحبه ” أي مشى على نفس الطريق ” وما يعرف من أمره فبايعنا عمر ولم يختلف عليه منا اثنان فأديت إلى عمر حقه وعرفت له طاعته وغزوت معه في جيوشه وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأضرب بين يديه الحدود بسوطي ثم قبل أن يقبض عهد بالأمر إلى رهط جماعة من قريش ستة أنا واحد منهم فلما اجتمع الرهط أخذ عبد الرحمن بن عوف مواثيقنا على أن نسمع ونطيع لمن ولاه الله أمرنا أي من يختاره عبد الرحمن ثم أخذ بيد عثمان فبايعه فأديت له حقه وعرفت له طاعته وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأضرب بين يديه الحدود بسوطي فلما قُتل نظرت في أمري فإذا الخليفتان اللذان أخذاها بإشارة من رسول الله قد مضيا أي ماتا لأن أبا بكر أشار الرسول إلى توليه الخلافة بتقديم إماماً وعمر كان أبو بكر عينه قبل وفاته لذلك علي قال هذا الكلام .

قال وهذا الذي قد أخذ له الميثاق أي الذي بايعناه عثمان قد قُتل فبايعني أهل الحرمين مكة والمدينة وأهل هذين المِصرين يعني البصرة والكوفة فوقف فيها من ليس مثلي قام إنسان ينازعني ليس مثلي في مرتبتي ولا قرابته كقرابتي يعني من رسول الله ولا علمه كعلمي ولا سابقته كسابقتي يعني أنا دخلت بالإسلام قبله بكثير وكنت أحق بها منه فهذا الشرح الموجز عن علي يبين أمر خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وخلافته بوضوح يبين أن عليًا ما كان يعتقد أن الرسول عهد إليه بالخلافة ولو أنه عهد إليه بالخلافة لقاتل عليها كما قاتل بعد ذلك من حاربه في خلافته.

ومن مناقبه رضي الله عنه أنه كان هو أول من أشار إلى وضع علم النحو أي إلى وضع قواعد علم النحو كما روى ذلك أبو القاسم الزجاجي في أماليه فإنه أشار على أبي الأسود الدؤلي أن يفعل ذلك ووضح له كيف يسلك في هذا الأمر فبدأ أبو الأسود يوضح قواعد العربية.

وكان رضي الله عنه كثير النساء كثير الأولاد أول زوجة تزوجها فاطمة بنت رسول الله ولم يتزوج عليها حتى توفيت عنده وكان له منها الحسن والحسين ومحسن من الذكور وتوفي محسن صغيرًا وأما من البنات فكان له منها زينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى ، ثم تزوج بعدها امرأة يقال لها أم البذين بنت حِزام فولد له منها العباس وجعفر وعبد الله وعثمان وتزوج ليلى ابنة مسعود التميميّة فولدت له عبيد الله وأبا بكر وتزوج أسماء بنت عُميس فولدت له محمدًا ويحيى وكانت قبل ذلك تحت أبي بكر وكانت ولدت له ولدًا اسمه محمد وقبلها كانت زوجة جعفر أخي علي وولدت له محمدًا فمرة افتخر ولداها محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر كل منهما صار يمدح أباه فقال علي لأمهما أحكمي بينهما يعني كلاهما كان زوجًا لك فقالت ما رأيت شيخًا أكرم من أبي بكر يعني أحسن منه ولا شاباً أفضل من جعفر فصار علي يضحك وقال ماذا تركتي لنا أنا أين صرت؟‍ هذا يدل على شدة محبته لسيدنا أبي بكر لأنه لو كان يكرهه لغضب منها.

وكان لعلي زوجات أخريات وولد له عمر بن علي وتزوج كذلك أمامة بنت أبي العاص بن الربيع وأمها زينب بنت رسول الله يعني هي بنت بنت رسول الله ، وجميع ولد علي لصلبه أربعة عشر ذكرًا وسبعة عشرة امرأة .