قصة الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة

قصة الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد، وعلى جميع إخوانه من النبيين والمرسلين وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين.

قال الله تعالى في مُحْكَمِ كِتَابِه: ﴿إِلا تنصُروهُ فقدْ نصرَهُ اللهُ إِذْ أَخرجَهُ الذينَ كَفَروا ثانِيَ اثنَيْنِ إِذْ هُمَا في الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ معَنا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللهِ هيَ العُليَا واللهُ عزيزٌ حكيمٌ سورة التوبة/40

عندما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالتبليغ والإنذار بلا قتال فكان يدعو إلى الله جهرا ويمر بين المشركين حين كانوا يجتمعون في الموسم من نواحٍ مختلفة ويقول:” أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تُفلحوا“، ودعا عليه الصلاة والسلام إلى العدل والإحسان ومكارم الأخلاق ونهى عن المنكر والبغي فهو الذي عرّفه قومه قبل نزول الوحي بلقب الأمين، فلم يكن سارقًا ولم يكن رذيلًا ولم يكن متعلّق القلب بالنساء. فآمن به بعض الناس كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وغيرهم وبقي على الكفر أكثر الناس .

ثم صاروا يؤذونه وأصحابه عليه الصلاة والسلام، أُوذِيَ أذًى شَديدًا وأُوذِي أصحابُه الكرامُ في مكةَ وأُوذِي ياسرٌ وزوجُه سُمَيَّةُ وابنُه عمارٌ وكانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَمُرُّ بِهِم وهم يُعَذَّبونَ ويقولُ: اللهمَّ اغْفِرْ لآلِ ياسرٍ. وانْصَبَّ أَنْوَاعُ العذابِ على المسْتَضْعَفِينَ صَبًّا، وتَجَرَّعُوا مَرارَاتِ الصَّبرِ على أنواعِ العَذابِ مِنَ المشركينَ فلما اشتد عليهم الأذى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه بالهجرة إلى الحبشة فخَرَجُوا فِرَارًا بِدينِهم مِنْ أَذَى المشرِكِينَ، خرجوا جَماعاتٍ مُتَتَابِعينَ، وَفُرادَى، تَنْفِيذًا لأمرِ اللهِ تعالَى.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد لقي في الموسم نفرا من أهل يثرب من الخزرج فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا، ثم ازداد عددهم في العام التالي فلما انصرفوا بعث معهم بعض أصحابه صلى الله عليه وسلم لتعليم من أسلم من أهل يثرب القرءان ودعوة من لم يسلم منهم بعد إلى الإسلام، فلما كثر أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم في يثرب أمر الله المسلمين بالهجرة إليها فهاجروا إليها أرْسالًا جماعة بعد جماعة.

وَصَبَرَ صلَّى الله عليه وسلم على إِيذاءِ المشركينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَانْظُرُوا إلى مَوْقِفِ القَائِدِ العَظِيمِ مُحَمَّدٍ بعدَما جَاءُوا إلى عمِّه أبِي طَالِبٍ يقولونَ لَهُ يَا أَبَا طَالِبٍ مَاذَا يُريدُ ابنُ أخيكَ إِنْ كَانَ يُريدُ جَاهًا أَعْطَيْنَاهُ فَلَنْ نُمْضِيَ أمرًا إِلَّا بَعْدَ مَشُورَتَهِ، وَإِنْ كَانَ يُريدُ مَالًا جَمَعْنَا لَهُ حَتَّى يَصِيرَ أَغنانَا وَإِنْ كانَ يُريدُ الملكَ تَوَّجْنَاهُ عَلَيْنَا وَلكنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم  الذِي يُوحَى إِلَيْهِ أَجَابَ عَمَّهُ بِقَوْلِهِ: “لَوْ وَضَعُوا الشَّمسَ في يَمِينِي وَالقَمَرَ في شِمَالِي مَا تَرَكْتُ هذا الأمرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللهُ أَوْ أَهْلِكَ دُونَهُ” ليسَ في الأنبياءِ مَنْ يَتْرُكُ الدعوةَ إلى اللهِ، ليسَ في الأنبياءِ من يَتَخَلَّى عَنِ الدَّعوةِ إلَى اللهِ مَهْمَا اشْتَدَّ عليهِ البَلاءُ، ليسَ في أنبياءِ اللهِ مَنْ يُعْرِضُ عن دينِ اللهِ لشدةِ الإيذاءِ.

لقد رَوَى علماءُ السيرِ أنَّ أبا بكرٍ الصديقَ رضيَ اللهُ عنه لما وَجَدَ إخوانَه المسلِمينَ قد تتابعُوا مُهاجِرينَ إلى المدينةِ المنورةِ، جاءَ هو الآخرُ يستأذِنُ حَبِيبَه رسولَ اللهِ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه في الهجرةِ، فقالَ له النبيُّ العظيمُ صلى الله عليه وسلم: “على رِسْلِكَ، فَإِنِّي أَرجو أن يُؤْذَنَ لِي”، فقالَ أبو بكرٍ: “وهل تَرجُو ذلكَ بأبِي أنتَ وأمِّي”؟ فقال عليه الصلاةُ والسلام: “نعم”، فحَبَسَ أبو بكرٍ رضي الله عنه نفسَه على رسولِ اللهِ لِيَصْحَبَ حبيبَه المصطفى في هذه الهجرةِ المباركةِ، وعَلَفَ راحِلَتَيْنِ كانَتا عِنْدَه وأَخَذَ يَتَعَهَّدُهُما بِالرِّعَايَةِ أَرْبَعَةَ أَشهُرٍ، وفي هذهِ الأَثناءِ رَأَتْ قُريشٌ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم صارَ لَهُ أَنْصَارٌ وَأَصْحَابٌ مِنْ غَيْرِهم بِغَيْرِ بَلَدِهِم، وَخَافُوا خُرُوجَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إليهِم فاجتَمَعُوا لِهَذَا الأَمْرِ الذِي أَهَمَّهُمْ في دارِ النَّدوةِ حيثُ كانَتْ قريشٌ لا تَقْضِي أَمْرًا إلَّا فيهِ وَصَارُوا يَتَشَاوَرُونَ فيمَا يَصْنَعُونَ بأمرِ الرسولِ، واجتَمَعَ رأيُهُمْ أَخِيرًا على قتلِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وكانَتْ مُؤامَرَتُهُم تَقْضِي أَنْ يأخُذُوا مِنْ كُلِّ قَبيلَةٍ شَابًّا قَوِيًّا جَلْدًا، ثُمَّ يُعطَى كُلٌّ منهُمْ سَيْفًا صَارِمًا، ثُمَّ يَعْمَدُوا إليهِ فَيَضْرِبُوهُ ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَيَقْتُلُوهُ وَيَتَفَرَّقُ دَمُهُ بينَ القَبَائِلِ ولا يَقْدِرُ عَشِيرَتُهُ بَنُو عَبدِ مَنَافٍ عَلَى حَربِهم جميعًا. وأتَى جبريلُ عليهِ السلامُ وأخبَرَهُ بِكَيْدِ المشرِكِينَ وَأَمَرَهُ بأَنْ لا يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ وَفِرَاشِهِ تلكَ الليلةَ.

ثم بعدَ ثلاثَ عَشرةَ سنةً من مَبْعَثِ النبِيِّ صلى الله عليه وسلم قضاهُنَّ في الدعوةِ إلى دينِ اللهِ تبارَكَ وتعالى في مكة جاء أمر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى يثرب، أمره بترك مكة محل ولادته عليه الصلاة والسلام التي كانت أحب البلاد إليه فامتثل أمرَ الله تعالى وهاجر متحملا المشاق في سفره طاعة لله تعالى لا خوفا من المشركين ولا جبنا، فإنه صلى الله عليه وسلم كان أشجع الناس، ولا يأسا من واقع الحال ولا حبا في الشهرة والجاه والسلطان.

وقد كانت هجرته عليه السلام في شهر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة من بعثته عليه السلام وذلك في يوم الاثنين كما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس أنه قال: ولد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين واستنبئ يوم الاثنين وتوفي يوم الاثنين وخرج مهاجرا من مكة الى المدينة يوم الاثنين وقدم المدينة يوم الاثنين ورفع الحجر الأسود يوم الاثنين.اهـ

فدعَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عليَّ بنَ أبِي طالبٍ رضيَ اللهُ عنه وأَمَرَهُ أَنْ يَبِيتَ عَلَى فِرَاشِه وَيَتَسَجَّى بِبُرْدٍ لَهُ أَخْضَرَ فَفَعَلَ، وأمره أن يؤدي الأمانات إلى أهلها. ولما كانت ليلة الهجرة، كان الكفار يقفون بباب النبي صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ خَرَجَ صلى الله عليه وسلم  وهُمْ على بابِه وَمَعَهُ حَفنَةُ تُرابٍ فجعَلَ يَذرُهَا على رَؤُوسِهم وَهُوَ يقرأُ: ﴿يـس والقرءانِ الحكيمِ إنّكَ لمنَ المرسلينَ على صِراطٍ مستقيمٍ تنـزيلَ العزيزِ الرحيمِ لِتُنْذِرَ قومًا ما أُنذِرَ ءاباؤهُمْ فهُمْ غافلونَ لقدْ حَقَّ القولُ على أكثرِهِمْ فهُمْ لا يؤمنونَ إنَّا جعَلْنَا في أعناقهم أَغْلالًا فهيَ إِلى الأَذْقانِ فهُمْ مُقمَحونَ وجعَلْنَا مِنْ بينِ أَيدِيهِمْ سَدًّا ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فأَغْشَيْناهُمْ فهُمْ لا يُبْصِرونَ سورة يـس 1-9 .

وهذا عمرُ رضي الله عنه يقفُ في وضحِ النهارِ مُمتشِقًا سيفَه قائلًا لصناديدِ قريشٍ بصوتٍ جهيرٍ: “يا معشرَ قريشٍ من أرادَ منكم أن تُفصلَ رأسُه أو تثكلَهُ أمُّهُ أو تترمَّلَ امرأتُه أو يُيَتَّمَ ولدُه أو تذهبَ نفسُه فَلْيَتْبَعْنِي وراءَ هذا الوادي فإنِّي مهاجرٌ إلى يثرب” فما تجرَّأَ أحدٌ منهم أن يحولَ دونَه ودونَ الهجرةِ.

ثم جاء المصطفى إلى بيت الصديق ظهرًا، تقولُ السَّيدةُ الجَلِيلَةُ عائشَةُ رَضِيَ اللهُ عنهَا زوجُ النبيِّ الأعظَمِ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ: “بينَا نَحْنُ يَوْمًا جُلوسٌ في بَيْتِ أبي بَكْرٍ في حَرِّ الظَّهيرَةِ، قالَ قَائِلٌ لأبِي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ: “هذا رَسُولُ اللهِ مُتَقَنِّعًا، في سَاعَةٍ لم يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا”. فقالَ أبو بَكرٍ: “فِدا لَهُ أبِي وَأُمِّي، ما جَاءَ بهِ في هذهِ السَّاعَةِ إِلاَّ أَمْرٌ”، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: “فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي بِالخُروجِ”. فقالَ الصِّديقُ أبو بكرٍ رضي اللهُ عنه وكلُّه شَوْقٌ وَهُيامٌ بحبيبِه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: “الصُّحبةَ يا رَسولَ اللهِ”، فقالَ رسولُ اللهِ: “نعَمْ”. قَالَتْ عائِشَةُ رضي اللهُ عنها: “فجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الجِهَاز، وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَة ( طعام المسافر) في جِراب (وعاء من جلد)”. وَشَقَّتْ (قطعت) أسماءُ بنتُ أبي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عنهَا نِطَاقَهَا قِطْعَتَيْنِ فَأَوْكَأَتْ (ربطت) بِقِطْعَةٍ مِنْهُ (فم) الجِرابَ، وشَدَّتْ فَمَ الجِرابِ بالبَاقِي فَسُمِّيَتْ لِذَلِكَ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ  (النطاق: ثوب تشد به المرأة وسطها). فخرجا ليلًا، وانطلَقَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في رِحْلَتِهِ المبارَكَةِ معَ حَبيبِه الوَفِيِّ أبي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه حتى وصَلا غَارَ ثَوْرٍ لِيُقِيمَا فِيهِ، وَدَخَلَ الصِّدِّيقُ  أبو بكرٍ قبلَ الرسولِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ لِيَنْظُرَ أفيهِ سَبُعٌ أَوْ حَيَّةٌ لِيَقِيَ النبِيَّ الأعظَمَ صلى الله عليه وسلم بنفسِهِ، وكانَ في الغارِ عِدَّةُ ثُقُوبٍ فَجَعَلَ الصِّدِّيقُ يَسُدُّ الثُّقوبَ بِثَوْبِهِ وَبَقِيَ ثُقْبٌ واحِدٌ فَسَدَّهُ رَضِيَ الله عنه برجلِهِ لِيَحْمِيَ حَبِيبَهُ وَقُرَّةَ عَيْنِه مُحَمَّدًا خيرَ مَنْ وَطِئَ الثَّرَى، فَلَسَعَتْهُ الأَفْعَى في رِجْلِه، فَمَا حَرَّكَها وَمَا أَزَاحَها، وَبَكَى رَضِيَ اللهُ عنهُ فَنَزَلَتْ دَمْعَتُهُ الْمُبَارَكَةُ علَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلم وأَيْقَظَتْهُ، فقَامَ علَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وَمَسحَ بِرِيقِهِ الطَّاهِرِ المبَارَكِ على مَكانِ اللسْعِ فَشُفِيَ أبو بَكْرٍ بِإِذْنِ اللهِ.

وانطلَقَ المشركونَ كَالوُحُوشِ الكَاسِرَةِ يَنْتَشِرُونَ في طَريقِ المدينَةِ المنَوَّرَةِ بعدَ أَنْ عَلِمُوا بِخُروجِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يُفَتِّشُونَ عَنْهُ وَعَنْ صَاحِبِهِ، حَتَّى وَصَلُوا الغَارَ.

وَحَمَى اللهُ تعالَى حَبيبَهُ بِخَيْطِ العَنْكبوتِ أَوْهَنِ البُيوتِ، وَجَاءَتْ حَمَامةٌ بَاضَتْ على فَمِ الغَارِ فَأَعْمَى اللهُ تعالَى أَبْصَارَ المشْرِكينَ عَنْ رُؤْيَةِ المصْطَفَى، وَسَمِعَ الرسولُ العظيمُ صلى الله عليه وسلم وصاحبُهُ أَقْدَامَ المشركينَ تخفقُ مِنْ حَولِهم، فأخَذَ الرَّوْعُ والخوفُ أبَا بَكْرٍ  على حبيبِه الرسولِ عليه السلامُ وَصَارَ يَهْمِسُ يُحَدِّثُ قُرَّةَ عَيْنِهِ مُحَمَّدًا وَيَقُولُ لَهُ: “يَا رسولَ اللهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَنْظُرُ إلَى قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنا”، فأجابَهُ النبيُّ المتَوَكِّلُ علَى خَالِقِهِ ومولاه: “يَا أبا بَكرٍ ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثالِثُهُمَا” أي نَاصِرُهُما معناه: ثالثهما بالنصر والمعونة والحفظ والتسديد. فَإِنَّ التَّحَيُّزَ في الجِهَةِ والمكانِ مِنْ صِفَاتِ المخْلُوقِ أمَّا رَبُّنَا فَهُوَ مَوْجُودٌ بِلا مَكانٍ وَلا جِهَةٍ.

ولَمَّا انْصَرَفَ المشْرِكُونَ عَنِ الغَارِ خَرَجَ الرسولُ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر برعايَةِ اللهِ وعِنايَتِهِ وتابَعَا طريقَهُمَا إلى المدينَةِ المنوَّرَةِ.

فمرا على خيمة أم معبد، فرأى النبـيُّ عندها شاة، قال: هل بها من لبن، قالت: هي أجهد من ذلك، فمسح النبيُّ ظهرها وضرعها، وسمى ودعا، فحَلبَ في إناء فملأه وسقى من معه، ثم حلب فيه ثانيا، وتركه عندها مملوءًا، وسافر بعد أن بايعها على الإسلام، واستمرت تلك البركة فيها.

-أخرج البيهقي في دلائل النبوة، باب ما جاء في المهاجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم التي أحيا الله تعالى بدعائها ولدها بعد ما مات: عن أنس، قال: عدنا شابا من الأنصار، وعنده أم له عجوز عمياء، قال: فما برحنا أن فاض، يعني: مات، ومددنا على وجهه الثوب، وقلنا لأمه: يا هذه احتسبي مصابك عند الله، قالت: « أمات ابني ؟» قلت: نعم، قالت: « اللهم إن كنت تعلم أني هاجرت إليك وإلى نبيك، رجاء أن تعينني عند كل شديدة، فلا تحمل عليّ هذه المصيبة اليوم». قال أنس: فوالله ما برحت حتى كشف الثوب عن وجهه وطعم وطعمنا معه.اهـ وأخرجه ابن عدي وابن أبي الدنيا وأبو نعيم.

– روى مسلم في الصحيح، باب الدَّليل على أنَّ قاتل نفسِه لا يكفَّر: أَنَّ الطُّفَيْلَ بنَ عَمْروٍ الدَّوسِيَّ هَاجَرَ إِلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم إِلَى المَدِينَةِ، وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوُا المَدِيْنَةَ فَمَرِضَ فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْروٍ فِي مَنَامِهِ، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ. فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: (اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ).

-روى ابن سعد عن عثمان بن القاسم أنه قال: لما هاجرت أم أيمن، ( من مكة إلى المدينة) أمست بالمنصرف ودون الروحاء، فعطشت، وليس معها ماء؛ وهي صائمة، فأجهدها العطش، فدلي عليها من السماء دلو من ماء برشاء أبيض، فأخذته، فشربته حتى رويت. فكانت تقول: ما أصابني بعد ذلك عطش، ولقد تعرضت للعطش بالصوم في الهواجر، فما عطشت. وأخرجه ابن السكن من طريق هشام بن حسان عن عثمان بنحوه وقال في روايته: خرجت مهاجرة من مكة إلى المدينة وهي ماشية ليس معها زاد. وقال فيه: فلما غابت الشمس إذ أنا بإناء معلق عند رأسي، وقالت فيه: ولقد كنت بعد ذلك أصوم في اليوم الحار ثم أطوف في الشمس كي أعطش فما عطشت بعد. اهـ

وفي بعض الروايات: فكادت تموت من العطش، فلما كان وقت الفطر وكانت صائمة سمعت حسًا على رأسها، فرفعته، فإذا دلو، برشاء أبيض معلق، فشربت منه حتى رويت، وما عطشت بقية عمرها.اهـ

وهناكَ في المدينَةِ، هناك في طَيْبَةَ يَنْتَظِرُ المؤمنُونَ مِنْ مُهَاجِرينَ وَأَنْصَار بِلَهَفٍ وَشَوْقٍ وصولَ الحبيبِ يَوْمًا بَعْدٍ يومٍ وَيَتَوَافَدُونَ إلَى مَشَارِفِ المدينَةِ من ناحيَةِ طَرِيقِ مَكَّةَ -يفدون إلى قُباء، وهو موضع بئر على ثلاثة أميال من المدينة، ينتظرون قدوم رسول الله وَبَعْضُهُم يتَسَلَّقُ الأَشجارَ وَيَنْظُرُ إلَى بُعدٍ عَلَّهُ يَرَى أثرًا لِقُدومِ رَسُولِ اللهِ مُحمدٍ صلى الله عليه وسلمَ، وذاتَ يومٍ وَالنَّاسُ فِي انتظارٍ بِلَهَفٍ وَشوقٍ وَقَدِ انتصَفَ النهارُ وَاشْتَدَّ الحرُّ تَوافَدُوا جَمَاعَةً بَعْدَ جَمَاعَةٍ وإذا بِرَجُلٍ يُنَادِي بأَعْلَى صَوْتِه هَا قَدْ جَاءَ مَنْ تَنْتَظِرُونَ يا أهلَ المدينةِ وَتكرُّ الجموعُ عَائِدَةً لاستِقْبَالِ الحبيبِ المصطفى صلى الله عليه وسلم  وَالْحُبُّ يَسْبِقُها وَلِسَانُ حَالِها يَقولُ:

طلَعَ البَـدْرُ عَلَيْنَـا       مِنْ ثَنِيَّـاتِ الوَدَاعِ

ونزلها عليه الصلاة والسلام بالسعد والهناء في يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وجاء المسلمون يسلمون عليه.

وَتَلَقَّى المسلِمُونَ مِنْ أَنْصَارٍ وَمُهَاجِرِينَ رسولَ اللهِ أَحْسَنَ استقبَال، فَخَرَجُوا في الطُّرُقِ وعلى السُّطوحِ مُبْتَهِجِينَ، وَانْتَشَرَ الخَدَمُ وَالصِّبيانُ في الطَّريقِ يَهْتِفونَ “اللهُ أكبر، جَاءَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، جاءَ مُحمد”.

وأقام المصطفى في قُباءٍ مدة، وأسس فيها المسجد الذي قال الله فيه: [لَمَسْجدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى]{التوبة:108}، ولحقه علي بن أبي طالب، وكان تأخر ثلاث ليال، لرد الودائع التي كانت عند المصطفى صلى الله عليه وسلم لأهلها، ثم طلع رسول الله من بين أظهرهم، فركب راحلته ومشوا حولها، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها، ثم ارتحل المصطفى قاصدًا المدينة، فأتاه بعضهم فأخذوا خطام ناقته، فقال: “خلوا سبيلها فإنها مأمورة” فخلوها حتى دانت دار بني مالك بن النجار، فبركت ناقته المأمورة، أي التي أمرها الله تعالى أن تبرك بموضع مسجده عليه السلام، فلما بركت وهو عليها لم ينـزل، وثبت، فسارت غير بعيد، والمصطفى واضعٌ لها زمامها لا يُثنيها به، ثم التفتتْ خلفها، فرجعت إلى مبركها الأول فبركت به، ثم تحلحلت ووضعت جِرانـها، فنـزل عنها، وذلك في وقت الظهيرة، فاحتمل أبو أيوبَ من بني النجار رحله، وأدخل ناقته داره، ونزل عنده لكونه من أخوال عبد المطلب، فأقام بدار أبي أيوبَ الأنصاريِّ واسمُهُ خَالِدُ بنُ زَيدٍ.  حتى ابتنى مسجده الواسع بعد شرائه أرضه، ثم بنى حوله مساكن لأهله، وبنى أصحابه من المهاجرين والأنصار مساكنهم حواليه في كنفه.

واستبشر المسلمون بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم حين وصل إلى يثرب التي سماها النبي المدينة المنورة وءاخى بين أهلها والمهاجرين وسمى أهلها الأنصار لأنهم نصروا دين الله تعالى، وبه انطفأت فتنة عظيمة كانت بين قبيلتي الأوس والخزرج بيثرب بعد أن دامت سنوات فصار المسلمون على قلب رجل واحد لا يفرق بينهم طمع ولا دنيا ولا يباعدهم حسد ولا ضغينة حتى غدوا كالبنيان المرصوص يشد بعضهم بعضا، وقد نصر الله نبيه وأيده وكان وعد الله حقا، فهو القائل عز وجل: [إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] {غافر:51}

لم تكن هجرة النبي طلبًا للراحة ولا هربًا من المشركين ولا تخليًا عن الدعوة إلى الله ولكن تنفيذًا لأمر الله تعالى، فهو عليه الصلاة والسلام القائل: ”ما لي وللدنيا وما للدنيا ولي، إنما أنا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها“.

إن الهجرة النبوية دروس وعبر نتعلم منها أن الالتزام بعقيدة التنـزيه والتوحيد هو أول مراتب التعاضد واللحمة بين المسلمين فقد دعى عليه الصلاة والسلام إلى التوحيد وهو بمكة فكان من ثمراته أن انتشر الإسلام في المدينة المنورة قبل هجرته إليها، مما يؤكد علينا أهمية العمل بقوله تعالى: [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ] {الأعراف:199} وقوله تعالى: [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ] {آل عمران:110} .

 لـما هاجر المصطفى، طابت به طيبة، بعدما كانت ردية، وأضاء كل ما كان منها أسود، منذ دخلها، وسرى السرور إلى القلوب بحلوله بها، وكانت من أوبإ الأراضي، فزال عنها وباؤها ببركة هذا النبي العظيم الجاه، ودعا اللهَ قائلا: اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَحَوِّل حُمَّاهَا إِلَىَ الْجُحْفَةِ. وقال: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا، وَاجْعَلْ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ. وقال: عَلَى أَنْقَابِ المدِيْنَةِ مَلائِكَةٌ لا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلا الدَّجَّالُ.

واسمَعُوا إلَى قَوْلِ أبِي أيوبَ الأنصارِيِّ الصَّحابِيِّ الجَلِيلِ: “وَكُنَّا نَصْنَعُ لَهُ العَشَاءَ، ثُمَّ نَبْعَثُ بهِ إليهِ، فَإِذَا رَدَّ علينَا فَضْلَهُ تَيَمَّمْتُ، أي قَصَدْتُ، أَنَا وَأَمُّ أَيُّوبَ مَوْضِعَ يدَهُ، فأَكَلْنَا مِنْهُ نَبْتَغِي بِذَلِكَ البَرَكَة”. تَأَمَّلْ بِتَدَبُّرٍ في تَبَرُّكِ أبي أيوبَ وزَوجِه رضي اللهُ عنهُما بِآثارِ أصابِعِ رسولِ اللهِ في قَصْعَةِ الطَّعامِ التِي كانَ يأكُلُ منهَا الرسولُ الأعظَمُ ولَمْ يُنْكِرِ النبيُّ عليهِمَا ذلك وكانَ في هَذَا أَبْيَنُ البَيَانِ عَلَى جَوَازِ التَّبَرُّكِ بِآثَارِهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَّه أمرٌ مَشْرُوعٌ في الشريعَةِ الإسلاميَّةِ كمَا قالَ الأئمةُ الأَعْلام.

وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الصحابَةَ كانُوا يَتَبَرَّكُونَ بِآثَارِ النبيِّ في حَيَاتِهِ وبعدَ مَمَاتِهِ وَجَوَازُ هَذَا يُعْرَفُ مِنْ فِعْلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وَإِقْرَارِهِ وذلكَ أنهُ عليهِ السَّلامُ قسَّمَ شعرَهُ وأَظْفَارَهُ بينَ النَّاسِ لِيَتَبَرَّكُوا بِهِمَا وَلَيَسْتَشْفِعُوا إلَى اللهِ بِمَا هُوَ مِنْهُ وَيتَقَرَّبُوا إلَى الله بِذَلِكَ، قَسَمَهُ بينهُمْ لِيَكُونَ بَرَكَةً باقِيَةً بينَهُم وَتَذْكِرَةً لَهُمْ، ثُمَّ تَبِعَ الصحابَةَ في طَريقَتِهِم المبارَكَةِ في التبَرُّكِ بآثارِهِ مَنْ أَسْعَدَهُ اللهُ تعالَى، وتوارَدَ ذلكَ الخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ.

وقد روَى البُخارِيُّ أَنَّ أُمَّ سلمَةَ زَوْجَ النبيِّ كانَتْ تَحْتَفِظُ بشَعراتٍ مِنَ النبِيِّ صلى الله عليه وسلم في جلجل لَهَا (وَهُوَ مَا يُشْبِهُ القَارُورَةَ يُحْفَظُ فيهِ مَا يُرادُ صِيَانَتُه) فكانَ إِذَا أصابَ أَحَدًا مِنَ الصَّحابَةِ عَيْنٌ أو أذًى أَرْسَلَ إليهَا إناءً فيهِ مَاءٌ، فَجَعَلَتْ رَضِيَ الله عنهَا الشعراتِ في الماءِ، ثم أخذُوا الماءَ يَشرَبُونَهُ لِلاسْتِشْفَاءِ وَالتَّبَرُّكِ بهِ.

اللهمَّ اجعَلْ قُلوبَنَا عَامِرَةً بِحُبِّ وَتَعْظِيمِ وَإِجْلالِ حَبِيبِكَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وَثَبِّتْنَا علَى هَدْيِهِ وَطَريقَتِهِ وأَعِدْ عَلَيْنَا الذكرَى بالخَيْرِ وَالبَرَكاتِ وَالْطُفْ بأُمَّةِ محمدٍ.