من فضائل عثمان بن عفان رضي الله عنه

في السنة الأولى من خلافته فتحت الري وكانت فتحت قبل ذلك ثم نقض أهلها العهد فأعيد فتحها في أول سنة من خلافة عثمان وفيها أصاب الناس رُعافٌ شديد أي في تلك السنة صار كثير من الناس في المدينة ينزل الدم من أنوفهم بشدة حتى أصاب ذلك سيدنا عثمان حتى أصابه من جراء ذلك ضعف شديد في بدنه حتى ترك الذهاب إلى الحج كان عازماً للذهاب للحج فتخلف عن الحج وأوصى قال لهم إذا مت افعلوا كذا وكذا ثم عافاه الله وفيها فتح من الروم حصون كثيرة وولى سيدنا عثمان سعد بن أبي وقاص على الكوفة ويذكر أمر الكوفة لأمر مهم لأنه صار في الكوفة أناس من أهل الفتنة حتى إنهم لما سيدنا عمر بن الخطاب ولى سعد بن أبي وقاص عليهم في خلافته جاءوا إلى عمر فقالوا له إن سعدًا لا يعرف أن يصلي فعمر استدعى سعد وهو يعرف براءته وسأل عنه الناس عن سيرته فكلهم حَمدَ سيرته إلا هؤلاء القوم فلما جاء إليه سعد قال له سيدنا عمر قالوا لي كذا وكذا فتعجب سعد من كلامهم وقال إنما أصلي بهم كما كان يفعل رسول الله ووصف له ذلك فلما أراد عمر أن يرده إلى عمله أبى سعد الرجوع استعفى قال أعفني قال لا تردني إلى أناس يزعمون أنني لا أعرف أن أصلي فأعفاه عمر من ذلك لكن قبل موته أوصى سيدنا عمر من تفضي الخلافة إليه أن يرد سعدًا يعني واليًا على الكوفة حتى لا يظن الناس أن عمر عزل سعدًا عن خيانة ففعل عثمان ذلك .

ثم إن هؤلاء أهل الفتنة في الكوفة ما غيروا عادتهم من الشكوى على الولاة وإن كانوا عادلين ، والافتراء عليهم حتى أفضى بهم الأمر إلى أن كانوا من الذين حاصروا سيدنا عثمان ، ثم في سنة خمس وعشرين عزل سعدًا عن الكوفة ثم في سنة ست وعشرين زاد في بناء المسجد الحرام واشترى أماكن حوله حتى يتم هذه التوسعة وفي خلافته فتحت أذربيجان وأرمينيا يعني في بداية خلافته وفي بداية خلافته جمع الروم جموعًا لغزو المسلمين وذلك حين غزا المسلمون أرمينيا وأتوا المسلمين في نحو ثمانين ألف مقاتل فأرسل قائد جيش المسلمين يطلب النجدة فأمده سيدنا عثمان بستة آلاف فلما رأى الأمر قائد الجيش وكان ذكياً صائب الرأي يقال له حبيب لما رأى الحالة أجمع رأيه أن يبيت الأعداء على أن يهاجمهم ليلًا وقتال الليل في الزمن الماضي كان قليلاً لأن قتال الليل أصعب كثيرًا من قتال النهار لا سيَّما ما كان عندهم الأدوات في الإنارة كما هو الحال في هذه الأيام وكان يُخشى أن يقاتل الشخص أصحابه فكان لا يباشر قتال الليل إلا المهرة من القواد ثم إن زوجة حبيب سمعته يذكر ذلك أنه يريد أن يقاتلهم ليلًا فقالت له أين ألاقيك فقال لها سرادق المريان وهو قائد جيش الأعداء يعني في خيمته أو الجنة إما أن نلتقي هناك في خيمته أو في الجنة إن شاء الله فقاتلهم فبيتهم فهزمهم الله وأتى إلى سرادق ذلك القائد فوجد امرأته سبقته إلى هناك وانهزم الروم عن المسلمين.

هكذا نساء المسلمين كنَّ ، ثم أيضاً في بداية خلافة عثمان توسع المسلمون في فتح المغرب في شمال إفريقيا وتوسعوا إلى أن وصلوا تونس وما يحيط بها وفي ذلك الزمن كان العرب يسمون هذه الناحية إفريقيا ثم في سنة سبع وعشرين غزا المسلمون قبرص وكان سيدنا عمر فكر وخطر له هذا الأمر فأرسل يسأل عن البحر الفاصل بين المسلمين وبين تلك الجزيرة فوصفوا له أنه خطر على من يركبه فقال لا أركب المسلمين متن هذا البحر وأعرض عن ذلك لأنه خاف على المسلمين ثم في خلافة عثمان معاويةُ كان واليًا على نواحٍ في الشام فصار يحث سيدنا عثمان على غزو البحر فما زال يحثه حتى أذن له عثمان قال له لا تنتخب الناس لا تتختر أنت الناس الذين يذهبون لكن خيرهم فمن اختار الغزو طائعًا فاحمله وأعنه ففعل معاوية ذلك وأمَّر عليهم رجلًا يقال له عبد الله بن قيس فغزا في المسلمين خمسين غزوة ما قتل فيها من المسلمين واحد ولا غرق له مركب وكان هو دائمًا يدعو الله أن يعافي جنده أن لا يصاب أحد من جنده حتى كان يوم ذهب هو في قارب طليعة يستطلع الجند وترك القوارب خلفه فنزل في موضع مأهول فيه ناس كأنه تاجر جاء من أرض ثانية فصادف أناسًا فقراء فطلبوا منه الصدقة فأعطاهم فذهبت امرءاة من الذين تصدق عليهم إلى جند الروم فقالت لهم هنا قائد من قواد المسلمين هذا عبد الله بن قيس فقدموا إليه فقاتلهم حتى قتل ورجع في الزورق من كان معه أفلتوا فلم يصب من جنده أحد حتى قتل كما كان يدعو الله.

وهناك في قبرص استشهدت أم حرام الأنصارية رضي الله عنها وكان النبي أخبر قبل وفاتها عن جيش من المسلمين يركبون البحر ويغزون البحر ومدحهم رسول الله فقالت أم حرام يا رسول الله أدعُ الله أن أكون منهم فدعا لها رسول الله بذلك فلما خرج هذا الجيش في البحر خرجت معهم فلما وصلت إلى قبرص سقطت عن دابتها فماتت شهيدة هناك وفي هذا العام كان أيضاً ابتداء غزو المسلمين لبلاد الأندلس وفيما بعده فتحت بلاد كثيرة مثل اصطخر ونيسابور وبيهق وبلاد كثيرة وفي خلافة عثمان سنة إحدى وثلاثين كانت المعركة الأولى الكبيرة فيما بين المسلمين والروم  في البحر ويقال لها غزوة الصواري وهي جمع صارية والمراد هذا الذي يكون للسفينة لأجل الشراع لكثرة السفن التي فيها سميت بذلك وسبب ذلك أن الروم كان أصابهم ضيق شديد من توسع المسلمين فلما فتح المسلمون أفريقيا يعني تونس وما حولها جهز قسطنطين سفناً جيشاً ضخماً بالسفن لغزو المسلمين يقال خمسمائة سفينة كان معه وخرج المسلمون لملاقاتهم وعلى رأسهم عبد الله بن سعد فاتفق الفريقان أن يؤمن بعضهم بعضاً حتى يربطوا السفن ببعضها بأن تكون سفن كل فريق مربوطة ببعضها البعض. حكى بعض المسلمين الذين كانوا في تلك الغزوة فقال كنت مع المسلمين لما التقينا بمراكب الكفار فنظرنا إلى مراكب ما رأينا مثلها قط رأينا شيئا كثيرًا مهولًا وكان الروم يظنون أنهم أسياد البحر والمسلمون ما كان لهم خبرة في قتال البحر فجاءوا واثقين من أنفسهم أنهم ينتصرون فلما اقتربت السفن من بعضها سكنت الريح ما عادت الريح تحرك السفن فأمن الفريقان بعضهم بعضا ثم قال المسلمون للروم إن أحببتم ننزل إلى الساحل كلنا فنقتتل وإن أحببتم فالماء ماذا تريدون فكلهم قالوا بصوت واحد بل الماء عند ذلك ربط المسلمون السفن بعضها ببعض وكذا فعل الكفار ثم اقتتلوا على الماء في السفن على سفن المسلمين والكفار حتى اختلطوا فيما بينهم ما عاد هناك صف تداخلوا صف المسلمون كسره الروم فقاتل الناس من غير صف في ذلك اليوم مختلطين يضربون بعضهم بالسيوف على السفن وبالخناجر فكانت موقعة عظيمة شيئا مهولا وصبر الفريقان صبرًا كبيرًا وقتل من المسلمين كثير وكذا من عدوهم حتى كانت الأمواج ترجح بالدم تضرب الشاطىء من كثرة ما نزل من دم في البحر ثم أنزل الله نصره على المسلمين فقتل الكفار قتلاً ذريعاً وفي هذه السنة قتل يزدجرد ملك الفرس وهو آخر ملوكهم وذلك أنه صار يفر من موضع إلى موضع من المسلمين وكلما هزم له جيش انفض عنه من اتباعه وسائر الكفار ما عادوا يرون له اعتبارًا عند ذلك ما زال الحال يستمر به على هذا المنوال حتى أمضى يومًا وحيدًا فرءاه إنسان من أهل بلاده وعليه ثياب ذات قيمة فطمع في ماله فقتله فكان بهذا نهايته .

وفي زمن خلافة عثمان غزا معاوية بأمر عثمان إلى القسطنطينية وهي إسطنبول الآن وتوسعت فتوحات المسلمين شرقاً حتى وصلوا إلى موضع يقال له بلنجر وعليهم رجل يقال له عبد الرحمن بن ربيعة فتقابلوا مع الكفار وكان الكفار حَمَّسَ بعضهم بعضا فقالوا هذه الأمة الضعيفة صارت تهزمكم يومًا بعد يوم ما تستحون صاروا يُحَمِّسُونَ بعضهم بعضا ثم اجتمعوا لقتال المسلمين فقاتلوهم فهزم المسلمون في ذلك اليوم وأصيب فيهم أربعة من المسلمين استشهدوا واحد منهم رأى في الرؤيا قبل موته أنه جيء بغزال فيه أثر دم فدفن في موضع كانوا حفروا فيه قبرًا قبل يوم من المعركة رأى ذلك وكان هذا الغزال منظره جميل جدًا  مع الدم الذي عليه ففي اليوم التالي لما نشب القتال أصيب بحجر من الكفار فكسر رأسه فنزل الدم على ثوبه فكان كأنه زينة لهذا الثوب كأنه ليس يتلطخ تلطخ بالدم كان جميلا ثم أخذوه فدفنوه في ذلك الموضع ثم مات ثلاثة من رفاقه فدفنوا هناك أيضاً وكانوا قبل ذلك يتحدثون ما أجمل الدم على هذا الثوب وكان واحد منهم لابسا أبيض يعني ما أجمل أن ينزل الدم على الأبيض فيموت شهيداً.

وفي خلافة عثمان رضي الله عنه مات أبو ذر وكان الرسول قد أخبره أنه يموت منفرداً عن الناس في موضع ليس فيه سكان ليس في بلد وكان أبو ذر رجلا فيه حدة إذا رأى ما لا يعجبه فكان إذا رأى أناسًا أغنياء معهم من المال زيادة عن حاجاتهم ولا يتصدقون به يكلمهم بطريقة فيها حدة فيتضايقون منه فكان بعض الولاة اشتكى إلى عثمان فاستدعاه عثمان إلى المدينة ثم في المدينة حصل منه أمر فسيدنا عثمان كلمه برفق حتى يترك هذا الأمر فقال له أبو ذر أخرج إلى خارج المدينة فاختار موضعًا خارج المدينة يسكن فيه وكان يزور المدينة بين المدة والمدة حتى كان الموت الذي مات فيه في ذلك اليوم قال لابنته أنظري هل ترين أحدًا ؟ قالت لا قال فكأنه بعد ما جاءت ساعتي ثم أمرها أن تذبح شاةً ففعلت ثم أمرها أن تطبخها فقال لها إذا جاءك الذين  يدفنونني فقولي لهم يقسم عليكم أبو ذر أن لا تركبوا وتذهبوا حتى تأكلوا من هذا الطعام ثم قال لها انظري هل ترين أحدًا فقالت نعم إذا ركب مقبلون فقال أديريني إلى الكعبة ففعلت فقال بسم الله وعلى ملة رسول الله ثم ابنته خرجت فتلقت القوم فقالت لهم اشهدوا أبا ذر عند موته فأتوا إليه فوجدوه قد مات قالت فادفنوه فجهزوه ودفنوه وكان بينهم عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله أقبل إلى أبي ذر وهو يبكي وهو يقول صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال يموت وحده ثم إنهم أكلوا من الطعام وذهبوا إلى المدينة فأخبروا عثمان بالأمر فضم ابنته إلى عياله يصرف عليها كما يصرف على أهل بيته وكانت وفاة أبي ذر رضي الله عنه في سنة اثنين وثلاثين وهو الذي وصفه الرسول بصدق اللهجة أي لا يكذب وفي هذه السنة توفي العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم وعبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرين بالجنة مرة كانت له تجارة فجاءته قافلة بكاملها من بلاد الشام فرأى الناس في ضيق فتصدق بقافلته كلها .

وفيها توفي عبد الله بن مسعود أحد مشاهير القراء من الصحابة وأحد الصحابة المشهورين بصحة العلم وهو من السابقين الأولين وفيها مات أبو الدرداء وهو الذي شهر بشدة زهده وفيها مات زيد بن عبد الله الأنصاري وهو الذي رأى في الرؤية نص كلمات الأذان. وفي سنة ثلاث وثلاثين  غزى  عبد الله بن سعد الحبشة .