من فضائل عمر بن الخطاب رضي الله عنه

وكان رضي الله عنه من أهل الكرامات فإنه وجَّه جيشا إلى ناحية العجم يوما ورأس عليهم رجلا يقال له سارية فبينا عمر يخطب فجأة جعل ينادي يا سارية الجبلَ الجبلَ ثلاث مرات ثم الناس تعجبوا من ذلك فلما نزل عن المنبر قالوا له سمعناك تذكر سارية وسارية بعيد فقال لهم شىء بدا لي ، ما أخبرهم بجلية الأمر ، ثم جاء البشير الإنسان الذي أرسله سارية ليخبر ماذا حصل معهم فأخبر أن الكفار كانوا هيأوا كمينا للمسلمين ولو أن المسلمين انحازوا خلف الجبل وجعلوه خلف ظهورهم كانوا ينجون من الكمين فبينما هم كذلك إذ سمعوا صوت عمر يقول يا سارية الجبل الجبل ثلاث مرات قال فانحزنا إلى الجبل وانهزم الأعداء ، وهذا الموضع عند نهاوند في أرض فارس ، وهذا الأثر أخرجه البيهقي وغيره ، دخل مرة على ابنه عاصم وهو يأكل لحما فقال ما هذا ، فقال لحم قَرِمْنَا إليه أي تاقت نفوسنا إليه فأتينا به فقال عمر أوكلما قَرِمْتَ إلى شىء أكلتَه ؟؟ أي كلما نفسك طلبت شيئا تعطيها إياه لا تفعل ذلك ، وكان وهو خليفة يلبس جبة من الصوف مرقوعة بالجلد وأحيانا كان يخطب بالناس وفي ثوبه أربع رقع ، وروي أنه كان في وجهه خطان من كثرة البكاء من خشية الله .

في عام الرمادة عام المجاعة صار يقرقر بطنه من شدة الجوع وكان لا يأكل إلا الزيت مرة كان مع أصحابه فصار بطنه يقرقر فنقر بطنه بإصبعه وقال قرقر ما قرقرت إنه ليس لك عندنا إلا الزيت حتى يحيا الناس ، وكان من أشجع الناس ومن أقوى الناس ومن أفرس الناس كان يأخذ بأذن الفرس وأذن نفسه ثم يثب فيصير على ظهر الفرس وكان بائن الطول أصلع أبيض تعلوه حمرة يستعمل يديه جميعا اليمنى واليسرى عارضاه خفيفان وكان طرف شاربيه فيهما طول فكان إذا غضب يفتلهما يمسك طرف شاربه بيده ، استُخلف يوم توفي أبو بكر وكثرت الفتوح في أيامه جدا ففي أيامه اكتمل فتح بلاد الشام والعراق وفارس وبلادٍ خلفَ ذلك وفي خلافته فتحت مصر وفي خلافته كان ابتداء تقويم المسلمين بسنة هجرة النبي بإشارة من علي بن أبي طالب وهو أول من سمي بأمير المؤمنين إنما كان المسلمون قبل ذلك يقولون لأبي بكر خليفة رسول الله ثم قالوا لعمر خليفة خليفة رسول الله فوجدوا في ذلك طولا فقالوا نحن المؤمنون وأنت أميرنا فمشى ذلك وهو أول من جمع الناس على صلاة التراويح على إمام واحد ثم نظر إليهم مجتمعين على إمام واحد فقال نعمت البدعة هذه ، روى ذلك البخاري وغيره .

وهو أول من كتب الدواوين أول من كتب أسماء الناس ليعطَوا العطاء يأتي موعد دفع ما يستحقون من المال هؤلاء الناس الذين يدفع لهم ، نصحه إنسان بذلك فعمل به فدعا عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم وكانوا من أعلم الناس بالنسب في قريش فقال اكتبوا الناس على منازلهم أي ابدأوا بالترتيب فكتبوا قالوا نبدأ ببني هاشم عشيرة رسول الله ثم اتبعوهم أبا بكر وقومه ثم عمر وقومه فلما نظر عمر في ذلك ما أعجبه فقال ابدأوا بعشيرة رسول الله ثم الأقرب عليه فالأقرب الإنسان الذي هو أكثر قربا من رسول الله ثم الأبعد فالأبعد وهكذا نضع عمر حيث وضعه الله .

وكان رضي الله عنه شديد المحاسبة لعماله يستدعيهم بين المدة والمدة إليه ويسألهم ويرحل هو بنفسه ليستطلع الأمر في أحيان أخرى ويكون له عيون في المواضع المختلفة يخبرونه بحال الأمراء أحيانا كان يستدعي بعض العمال فيقاسمه ماله يقول له هذا مالك الذي تحصّل عندك بعدما توليت هذا العمل لو تضع نصفه في بيت المال وتبقي لك النصف .

مرة كان المسلون راجعين من غزوة من الغزوات وكان في الجيش ولداه عبيد الله وعبد الله في الطريق تحدثا مع قائد الجيش قالا له لو تعطينا دَيْنًا من هذا المال شيئا نتاجر به فإذا حصلت خسارة نرده كاملا ففعل قائد الجيش فأخذا المال فتاجرا به فربحا فلما وصلا إلى المدينة عمر ما أعجبه هذا قال لهما كل الجيش أسلفكما سألتما كل واحد في الجيش  قالا له لا فقال فضعا المال وربحه في بيت المال فقالا يا أمير المؤمنين لا تفعل لو ضاع المال كنا ضمناه فكلمه بعض الناس فقال له اجعله مثل القراض فوافق عمر على ذلك فَرَدَّا رأس المال ونصف الربح ، يروى أنه مرة استدعى عماله من ناحية من النواحي ليسألهم ، واحدٌ منهم قال بعد أن جاء إلى خادم عمر قال له أخبرني أنا أسألك سؤالَ ناصحٍ لا أحب أن أضايق عمر أخبرني ما هي أحب  الهيئات إليه أي كيف يحب عمر أن يرى الرجل حتى لا يضايقه منا فأخبره أن تكون على غير حال الرفاهية فاختار ثوبا خشنا وعمامة غير مُعْتَنًا بها وتَجَوَّعَ لعمر أي أجاع نفسه قبل أن يلقاه فلما دخلوا عليه صار عمر ينظر إليهم ويلاحظ ماذا يلبس كل واحد منهم فيمر نظره إليهم ثم يرجع إلى هذا فيؤكد النظر فيه فوجد البقية ثيابهم لينة إلا هذا ثم دعا بالطعام فإذا هو إناء فيه قطعة لحم مع العظم وكسر خبز يابس  فقال كلوا فأكلوا معه أكلا ضعيفا إلا هذا فإنه كان جائعا فأكل أكلا قويا وعمر يراقبهم وهم يأكلون ثم بعد ذلك عزلهم كلهم إلا هذا رده إلى عمله فانظروا لاهتمامه لمصلحة المسلمين .

كان الوالي في زمن عمر يذهب إلى السوق فيشتري الأغراض فيحملها على ظهره ثم يرجع بها إلى بيته ، وعمر ما كان يقر العمال مدة طويلة أصلا على مواضعهم كان يغيرهم .