من قصص هجرة الصحابة و بركات الهجرة النبوية

من قصص هجرة الصحابة و بركات الهجرة النبوية

  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين، وبعد:

فمن المعلوم أن من أطاع الله تعالى وأدى ما أوجبه عليه بارك الله له في عيشه وحياته، بل وأعطاه من الأسرار والبركات ما أعطى، وخير مثال على ما نقول ما حصل مع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من البركات والأسرار في هجرتهم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، منفذين أمر الله تعالى ومطيعينه جل وعزّ، بل إن الهجرة النبوية وما حصل من الصحابة رضوان الله عليهم من مواقف مشرفة لخير دليل على بركة الهجرة وأسراراها، والكلام على هذه الأسرار والبركات يطول ويطول، ولكن نذكر بعضها بإذن الله تعالى، والله الموفق.

  • بركة هجرة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

  لقد كان لهجرة الفاروق عمر رضي الله عنه الذي فرق بين الحق والباطل قصة شأنها شأن كل قصصه وأخباره العظيمة التي تدل على حبه لدين الله واستبساله في سبيل الله واستعداده للموت في سبيل نصرة الحق. ذلك أنه عندما جاء دور سيدنا عمر قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم بسبعة أيام خرج مهاجرا وخرج معه أربعون من المستضعفين جمعهم سيدنا عمر في وضح النهار وامتشق سيفه وجاء دار الندوة وقال لصناديد قريش بصوت جهير يا معشر قريش من أراد منكم أن تفصل رأسه أو تثكله أمه أو تترمل امرأته أو ييتم ولده أو تذهب نفسه فليلحقْ بي وراء هذا الوادي فإني مهاجر إلى يثرب. فما تجرأ أحد منهم أن يحول دونه ودون الهجرة لأنهم يعلمون أنه ذو بأس وقوة وأنه إذا قال فعل، فهاجر رضي الله عنه ومن معه ولم يتجرأ أحد على اللحاق بهم.

  • بركة الهجرة النبوية في قصة أم معبد رضي الله عنها:

    بعدما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرا إلى المدينة هو وأبو بكر الصديق رضي الله عنه ومولى أبي بكر وهو عامر بن فهيرة ودليلهما عبد الله بن أريقط، مروا على خيمة أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة برزة جلدة تسقى وتطعم بفناء الكعبة، فسألوها لحما وتمرا ليشتروه، فلم يصيبوا عندها شيئا، وكان القوم مرملين، وفي كسر الخيمة شاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أم معبد هل بها من لبن قالت: هي أجهد من ذلك، فقال:أتأذنين لي أن أحلبها قالت: نعم إن رأيت بها حلبا، فمسح بيده ضرعها وسمى الله ودعا لها في شاتها، فدرت، واجترت، فدعا بإناء فحلب فيه ثم سقاها حتى رويت ثم سقى أصحابه حتى رووا وشرب ءاخرهم، ثم حلب فيه ثانيا ثم تركه عندها وبايعها وارتحلوا عنها.

  وفي لفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل عندها هو وأبو بكر ردفان مخرجه إلى المدينة حين خرج فأرسلت إليه شاة فرأى فيها بصرة من لبن فقربها فنظر إلى ضرعها فقال: والله إن بهذه الشاة للبنا، وهي جالسة تسد سقيقتها، فقالت: اردد الشاة، فقال: لا ولكن ابعثي شاة ليس فيها لبن، فبعثت إليه بعناق جذعة، فقبلها.

  وفي لفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل عليها فأرسلت إليه شاة تهديها له فأبى أن يقبلها فثقل ذلك عليها فقالوا إنما ردها لأنه رأى بها لبنا فأرسلت إليه بجذعة فأخذها.

  وذكر الواقدي في قصة أم معبد قصة الشاة التي مسح النبي صلى الله عليه وسلم ضرعها وذكر أنها عاشت إلى عام الرمادة، قالت: فكنا نحلبها صبوحا وغبوقا وما في الأرض لبن قليل ولا كثير.

ثم لما رحلوا جاء زوجها أكثم بن الجون يسوق غنمًا أعنزًا عجافًا، فلما رأى اللبن عجب وقال: من أين ولا حلوب في البيت؟  قالت: مر بنا رجل مبارك من حاله كذا.  قال: صفيه؟

قالت: ظاهرُ الوَضاءةِ، أَبلَجُ الوجه، حسن الخُلُق، لم تَعِبهُ ثُجلَةٌ، ولم تُزرِ به صعلةٌ، وسيمٌ قسيمٌ، في عينيه دَعَجٌ، وفي أشفاره وَطَفٌ، وفي صوته صَحَلٌ، وفي عُنُقه سَطَعٌ. وفي لحيته كثاثةٌ، أحورُ أكحلُ أَزَجّ أَقرنُ، شديد سواد الشّعر، إذا صمت علاهُ الوقار، وإِذا تكلّمَ عَلاهُ البهاء، أجمَلُ النّاس وأبهاهُ من بعيدٍ، وأحسَنُهُ وأحلاهُ من قريبٍ. حلوُ المنطق، فصل لا نَزْرٌ ولا هَذَرٌ كأن مَنْطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظمٍ يَنحدرنَ، رَبْعَةٌ لا تَقتَحِمُهُ عينٌ من قِصَرٍ ولا تَشْنَؤُهُ من طُولٍ. غُصنٌ بين غصنينِ فهو أَنضَرُ الثلاثَةِ منظرًا، وأَحسَنُهُم قَدًا. لَهُ رُفَقَاءُ يَحُفّونَ به. إن قالَ استَمَعُوا لقوله. وإن أمر تَبَادَرُوا إلى أَمرِهِ مَحْفُودٌ مَحْشُودٌ. لا عَابِسٌ وَلا مُفْنِدٌ .

 قولها ( ظَاهِرُ الْوَضَاءَةِ ) أي ظاهر الجمال، ( أَبْلَجُ الْوَجْهِ ) أي مشرق الوجه مضيئوه، ( حَسَنُ الْخُلُقِ )( لَمْ تَعِبْهُ ثُجْلَة ) الثجلة عِظَمُ البطن مع استرخاء أسفله ( وَلَمْ تُزْرِ بِهِ صَعْلَة ) أي صغر الرأس ( وَسِيمٌ ) المشهور بالحسن كأنه صار الحسن له سمة ( قَسِيمٌ ) الحسن قسمة الوجه ، أي كل موضع منه أخذ قسما من الجمال، ( فِي عَيْنَيْهِ دَعَجٌ ) اشتد سوادها وبياضها واتسعت، ( وَفِي أَشْفَارِهِ وَطَفٌ ) أي طول، ( وَفِي صوَتِهِ صَحَلٌ ) أي شبه البُحة ( وَفِي عُنُقِهِ سَطَعٌ ) أي طول العنق، (وَفِي لِحْيَتِهِ كَثَاثَةٌ ) ( أَحْوَرُ ) اشتد بياض بياض عينيه مع سواد سوادهما، ( أَكْحَلُ ) أي ذو كُحْلٍ، اسودت أجفانه خلقة، ( أَزَجّ أَقْرَنُ) أَي مَقْرُون الحاجبين، ( شَدِيدُ سَوَادِ الشّعْرِ ) ( إذَا صَمَتَ عَلاهُ الْوَقَارُ ) أي الرزانة والحِلْم، ( وَإِذَا تَكَلّمَ عَلاهُ الْبَهَاءُ) من الحسن، ( أَجْمَلُ النّاسِ وَأَبْهَاهُ مِنْ بَعِيدٍ وَأَحْسَنُهُ وَأَحْلاهُ مِنْ قَرِيبٍ حُلْوُ الْمَنْطِقِ ) ( فصْلٌ لا نَزْرٌ وَلا هَذرٌ) أي لا قليل ولا كثير أي ليس بقليل فيدل على عِيِّ ولا كثير فاسد، ( كَأَنّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَنحدرنَ ) أي كلامه محكم بليغ، (رَبْعَةٌ ) (لا تَقْتَحِمُهُ عَيْنٌ مِنْ قِصَرٍ ) أي لا تزدريه لقصره فتجاوزه الى غيره بل تهابه وتقبله، (وَلا تَشْنَؤُهُ مِنْ طُولٍ ) أي لا يُبْغَضُ لفرط طوله، ( غُصْنٌ بَيْنَ غُصْنَيْنِ فَهُوَ أَنْضَرُ الثّلاثَةِ مَنْظَرًا ) (وَأَحْسَنُهُمْ قَدًا )أي قامة ( لَهُ رُفَقَاءُ يَحُفّونَ بِهِ، إذَا قَالَ اسْتَمَعُوا لِقَوْلِهِ، وَاذَا أَمَرَ تَبَادَرُوا إلَى أَمْرِهِ ) (مَحْفُودٌ) أي مخدوم، ( مَحْشُودٌ ) الذي يجتمع الناس حوله، (لا عَابِسٌ)( وَلا مُفْنِدٌ) المنسوب الى الجهل وقلة العقل، المـُفْنِد أي لا فائدة في كلامه لكبرٍ أصابه .

 قال أبو معبد: هو والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره، وقد هممت أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت لذلك سبيلاً.

  • بركة الهجرة النبوية في قصة المرأة العجوز العمياء:

أخرج البيهقي في دلائل النبوة، باب ما جاء في المهاجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم التي أحيا الله تعالى بدعائها ولدها بعد ما مات: عن أنس، قال: عدنا شابا من الأنصار، وعنده أم له عجوز عمياء، قال: فما برحنا أن فاض، يعني: مات، ومددنا على وجهه الثوب، وقلنا لأمه: يا هذه احتسبي مصابك عند الله، قالت: « أمات ابني ؟» قلت: نعم، قالت: « اللهم إن كنت تعلم أني هاجرت إليك وإلى نبيك، رجاء أن تعينني عند كل شديدة، فلا تحمل عليّ هذه المصيبة اليوم».

قال أنس: فوالله ما برحت حتى كشف الثوب عن وجهه وطعم وطعمنا معه.اهـ وأخرجها ابن عدي وابن أبي الدنيا وأبو نعيم.

  • بركة هجرة أم أيمن رضي الله عنها:

  روى ابن سعد عن عثمان بن القاسم أنه قال: لما هاجرت أم أيمن، ( من مكة إلى المدينة) أمست بالمنصرف ودون الروحاء، فعطشت، وليس معها ماء؛ وهي صائمة، فأجهدها العطش، فدلي عليها من السماء دلو من ماء برشاء أبيض، فأخذته، فشربته حتى رويت. فكانت تقول: ما أصابني بعد ذلك عطش، ولقد تعرضت للعطش بالصوم في الهواجر، فما عطشت.

وأخرجه ابن السكن من طريق هشام بن حسان عن عثمان بنحوه وقال في روايته: خرجت مهاجرة من مكة إلى المدينة وهي ماشية ليس معها زاد. وقال فيه: فلما غابت الشمس إذ أنا بإناء معلق عند رأسي، وقالت فيه: ولقد كنت بعد ذلك أصوم في اليوم الحار ثم أطوف في الشمس كي أعطش فما عطشت بعد. اهـ

وفي بعض الروايات: فكادت تموت من العطش، فلما كان وقت الفطر وكانت صائمة سمعت حسًا على رأسها، فرفعته، فإذا دلو، برشاء أبيض معلق، فشربت منه حتى رويت، وما عطشت بقية عمرها.اهـ

  • بركة هجرة الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه:

  روى مسلم في الصحيح، باب الدَّليل على أنَّ قاتل نفسِه لا يكفَّر: أَنَّ الطُّفَيل بن عَمروٍ الدَّوسيَّ هاجر إِلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى المدينةِ، وهاجر معه رجلٌ من قومه، فاجتَوَوُا المدينة فمَرِضَ فَجَزِعَ، فأخذ مَشَاقِصَ لَهُ فقطع بها بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يداهُ حتَّى ماتَ، فرآهُ الطُّفَيلُ بنُ عَمروٍ في منامه، فرآهُ وهيئتُهُ حسنَةٌ، ورآهُ مُغَطِّيًا يديه فقال له: ما صنع بك رَبُّكَ؟ فقال: غفر لي بهجرتي إِلى نبيِّه صلَّى الله عليهِ وسلَّم. فقال: ما لي أراك مُغَطِّيًا يديكَ؟ قال: قيل لي: لن نُصلِحَ مِنكَ ما أَفسَدتَ. فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ على رسولِ الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم، فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ).

  قوله: (فَاجْتَوَوُا المَدِيْنَةَ) أي كرهوا المقام بها لضجر ونوع من سقم. قال أبو عبيد والجوهريُّ وغيرهما: اجتويت البلد إذا كرهت المقام به، وإن كنت في نعمة.

  وقوله: (فَأَخَذَ مَشَاقِصَ) وهي جمع مشقص، هو سهم فيه نصل عريض. وأمَّا البراجم فهي مفاصل الأصابع، واحدتها: برجمة.

  وقوله: (فَشَخَبَتْ يَدَاهُ) أي: سال دمهما.

  وفي الحديث حجَّة لقاعدة عظيمة لأهل السُّنَّة أنَّ من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها، ومات من غير توبة فليس بكافر ولا يقطع له بالنَّار بل هو في حكم المشيئة.

  • بركة هجرة صهيب الرومي رضي الله عنه:

  عن أبي عثمان: أنَّ صُهيبًا حين أراد الهجرة، قال له أهل مكَّةَ: أتيتنا صُعلوكًا حقيرًا، فتغَيَّرَ حالك!

قال: أَرَأَيْتُم إن تركتُ مالي، أَمُخَلُّوْنَ أنتم سبيلي؟

قَالُوا: نَعَمْ.  فَخَلَعَ لَهُمْ مَالَهُ.

فبلغ ذلك النبي صلَّى الله عليهِ وسلَّم فقال: (رَبِحَ صُهَيْبٌ! رَبِحَ صُهَيْبٌ!).  وورد أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (يَا أَبَا يَحْيَى، رَبِحَ البَيْعُ) ثلاثًا. ونزلت: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِيْ نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ} [البَقَرَةُ: 207].

وعن صهيبٍ: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، فَلْيُحِبَّ صُهَيْبًا حُبَّ الوَالِدَةِ لِوَلَدِهَا).

نسأل الله تعالى أن ينفعنا بالهجرة وأن يمن علينا من بركات الذكرى، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين.