هجرة إبراهيم عليه السلام إلى فلسطين ودخوله مصر

هجرة إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى بلاد الشام ( فلسطين ) ودخوله مصر واستقراره في الأرض المقدسة

  
أصر قوم إبراهيم عليه الصلاة والسلام على الكفر والضلال ولم يؤمن به إلا نفر قليل منهم، ولما لم يجد إبراهيم عليه السلام منهم إقبالًا إلى الهدى والإيمان أراد أن يهاجر إلى بلد يتمكن فيه من عبادة الله ودعوة الناس فيه إلى الإيمان والإسلام، علَّه يجد هناك ءاذانًا صاغية وقلوبًا واعية تقبل الحق والإيمان وتُقرّ بوحدانية الله الملك الديان مالك السموات والأرض.
قال تعالى حكاية عن نبيه إبراهيم عليه السلام: {وقال إني ذاهبٌ إلى ربي سيهدين} [سورة الصافات] وذلك حين أراد هجرة قومه بعد هذا الإصرار والعناد منهم على كفرهم وضلالهم، أي إني ذاهب إلى حيث أمرني ربي عز وجل وهو الشام، أو المعنى إلى حيث أتمكن فيه من عبادة ربي عز وجل. وقال تعالى في حق إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {فآمن له لوطٌ وقال إني مهاجر إلى ربي انَّه هو العزيز الحكيم* ووهبنا له اسحاق ويعقوب في ذريته النبوة والكتاب وءاتيناه أجره في الدنيا وأنه في الآخرة لمن الصالحين} [سورة العنكبوت]. وهاجر سيدنا إبراهيم عليه السلام مع زوجته سارة وابن أخيه لوط إلى أرض الشام، وبعث الله تعالى سيدنا لوطًا رسولا إلى أهل سدوم في أطراف الأردن المؤتفكة، وكانت هجرة إبراهيم عليه السلام إلى بر الشام بأمر الله فيها بركة، ثم وهبه الله تبارك وتعالى بهجرته هذه في سبيل الله الأولاد الصالحين وجعل في ذريته النبوة والكتاب، يقول الله تبارك وتعالى: {ونجيناه ولوطًا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين* ووهبنا له اسحاق ويعقوب نافلة وكلًا جعلنا صالحين* وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين} [سورة الأنبياء].

رحيل إبراهيم عليه السلام إلى مصر

 يقال: أنه لما ضاقت سبل العيش في الشام وعمَّ القحط رحل إبراهيم عليه السلام إلى مصر وكانت معه زوجته سارة، وكان على هذه الأرض ملك كافر جبار متسلط، وكان قابضًا على زمام الحكم في هذه البلاد، وكان من جملة الفساد الذي عند هذا الملك الخبيث أنه كان إذا دخلت إلى بلدته وأرضه امرأة جميلة يأخذونها إليه ليفعل الفاحشة بها، فلما دخل إبراهيم عليه السلام مع زوجته سارة إلى أرض الجبار وكانت سارة من أحسن وأجمل النساء وكانت لا تعصي إبراهيم عليه السلام، وُصف حسن وجمال سارة عليها السلام لهذا الملك الجبار الخبيث فأرسل إلى إبراهيم فقال له: من هذه المرأة التي معك؟ ففطن إبراهيم عليه السلام إلى مقصده الخبيث ومأربه وخشي إن أخبره أنها زوجته أن يبيت له الشر فيقتله ليتخلص منه فيستأثر بسارة من بعده، فقال له إبراهيم: أختي أي أختي في الإسلام، فظن الملك الجبار أنها غير متزوجة، فطلب منه أن يحضرها إليه في قصره، وذهب إبراهيم عليه السلام إلى زوجته سارة وأخبرها بما جرى مع هذا الملك الجبار وقال لها: يا سارة ليس على وجه الأرض زوجان مؤمنان غيري وغيرك وإنَّ هذا سألني فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني، ودخلت سارة على هذا الملك الجبار بعد أن قامت وتوضأت ودعت الله تعالى أن يكفيها شر هذا الملك الجبار، فلما رءاها هذا الملك أعجب بها ومدَّ يده إليها ليتناولها بيده لكنه أخذ ويبست يده فقال لها: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله تبارك وتعالى فانفكت يده بعد يبسها وعادت إلى طبيعتها، ولكنَّ هذا الخبيث طاوع نفسه الخبيثة وامرته أن يمد يده إلى سارة ليتناولها مرة ثانية، فلما أهوى إليها يبست له مثل المرة إلاولى أو أشد، فقال لها: ادعي الله لي ولا أضرك فدعت سارة الله تعالى فأطلق الله يده، فلما رأى هذا الخبيث ما رأى ردها إلى إبراهيم عليه السلام، ودعا بعض حجبته فقال لهم: إنكم لم تأتوني بإنسان إنما اتيتموني بجنيه، ووهب لسارة وأخدمها هاجر، فأقبلت سارة عليها السلام بهاجر إلى زوجها إبراهيم عليه السلام وهو قائم يصلي، ثم لما سالها إبراهيم عما جرى معها قالت له: كفى الله كيد الكافرين وأخدمني هاجر، وقد روى هذه القصة بنحوها البخاري في صحيحه عن أبي هريرة موقوفًا، والبزار في مسنده والإمام أحمد عن أبي هريرة مرفوعًا.

فائدة: روى البخاري أنَّ سارة زوجة إبراهيم عليه السلام توضأت لمّا أتى إبراهيم أرض الجبار، وهذا يدلُّ على أن الوضوء كان موجودًا قبل أمة محمد عليه الصلاة والسلام، وفي شريعة الأنبياء السابقين.