خطبة الجمعة : قصة الهجرة النبوية

منبر الجمعة

قصة الهجرة النبوية الشريفة

الحمد لله وليّ المؤمنين وخاذِلِ الكَفَرَة والصلاةُ والسلامُ على محمَّدٍ خاتَمِ الأنبياءِ البَرَرَة وعلى ءاله وصحبِه وتابِعِيه إلى يومِ البَعْثَرَة، أما بعدُ عبادَ الله اتَّقُوا اللهَ القائلَ فى كتابه العزيز: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ (الأنفال ٣٠).

المعنى: واذكر يا محمد إذ يحتال الكفار لإيصال الضرر إليكَ خُفيةً ليحبسوك ويوثقوك أَوْ يَقْتُلُوكَ بسيوفهم أَوْ يُخْرِجُوكَ من مكة. ويُجازيهم الله على مكرهم، فهو عزَّ وجلَّ أقوى فى إيصال الضرر إليهم قال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَكْرُ أؤلئك هُوَ يَبُورُ﴾ (فاطر ١٠)، أى ومكر أولئك الذين مكروا يفسد ويبطل دون مكر الله بهم حين أخرجهم من مكة وقتلهم وأثبتهم فى قليب بدر.

لما فتح الله على النبىّ ﷺ، ذكّره مكر قريش به حين كان بمكة ليشكر نعمة الله فى نجاته من مكرهم واستيلائه عليهم، وذلك أن قريشًا لما أسلمتِ الأنصار فَرِقُوا (خافوا) أن يتفاقم أمره فاجتمعوا فى دار الندوة متشاورين فى أمره، فدخل عليهم إبليسُ فى صورة شيخ وقال: أنا شيخ من نجد دخلت مكة فسمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا منى رأيًا ونصحًا، فقال أبو البختريّ: رأيي أن تحبسوه فى بيت وتشدوا وثاقه وتسدوا بابه غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه منها وتتربصوا به ريب المنون، فقال إبليس: بئس الرأىُ، يأتيكم مَن يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم، فقال هشام بن عمرو: رأيى أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظهركم فلا يضرَكم ما صنع واسترحتم. فقال إبليس: بئس الرأيُ، يُفسِد قومًا غيرَكم ويقاتلُكم بهم، فقال أبو جهل لعنه الله: أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلامًا وتعطوه سيفًا فيضربوه ضربةَ رجل واحد فيتفرق دمه فى القبائل، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلّهم، فإذا طلبوا العقلَ (الدّيَةَ) عَقلناه واسترحنا، فقال اللعين: صدق هذا الفتى هو أجودُكم رأيًا. فتفرقوا على رأىِ أبى جهل مجتمعين على قتله. فأخبر جبريلُ عليه السلام رسولَ الله ﷺ وأمره أن لا يبيت فى مضجعه، وأذِن له الله فى الهجرة، فأمر عليًّا فنام فى مضجعه وقال له: اتَّشِحْ ببردتي فإنه لن يخلُصَ إليك أمر تكرهه، وباتوا مترصدين، وأخذ ﷺ حَفْنةَ ترابٍ وخرجَ عليهم، فلم يروه، فجعل ينثُرُ ذلك الترابَ على رءوسهم وهو يتلو الآيات التسع الأولى من سورة يس إلى قولِه تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ﴾ (يس ٩). فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه فأبصروا عليًّا فبُهتوا وخيَّب الله سعيَهم واقتفَوا أثره فأبطلَ الله مكرَهم.

وقال عزَّ وجلَّ: ﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِىَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِىَ العُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ (التوبة ٤٠﴾

المعنى: ﴿ إِلا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ﴾ إلا تنصروه فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد ، فدل بقوله ﴿ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ﴾ على أنه ينصره فى المستقبل كما نصره فى ذلك الوقت ﴿ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أسند الإخراج إلى الكفار لأنهم حين هموا بإخراجه أذن الله له فى الخروج فكأنهم أخرجوه ﴿ ثَانِىَ اثْنَيْنِ ﴾ أحدَ اثنين وهما رسول الله وأبو بكر، وهذا كما فى الآية: ﴿ ثالثُ ثلاثةٍ ﴾، ﴿ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ ﴾ هو نقب فى أعلى ثور وهو جبل فى يمنى (جنوبىّ) مكة على مسيرة ساعة مكثا فيه ثلاثًا، ﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَـاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ بالنصرة والحفظ.

قيل: طلع المشركون فوق الغار فأشفق أبو بكر على رسول الله ﷺ فقال: إن تُصَبِ اليوم ذهب دِينُ الله، فقال عليه السلام : “ما ظنُّكَ باثنينِ اللهُ ثالثُهما”، وقيل: لما دخل الغار بعث الله حمامتين فباضتا فى أسفله والعنكبوت فنسجت عليه. وقال رسول الله ﷺ: “اللهمَّ أَعْمِ أبصارَهم” فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطنون قد أخذ الله بأبصارهم عنه. ﴿ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ ﴾ فألقى فى قلبه من الأَمَنَة التى سكن عندها وعلم أنهم لا يصلون إليه، ﴿ عَلَيْهِ ﴾ على النبىّ ﷺ أو على أبِى بكر لأنه كان يخاف وكان عليه السلام ساكنَ القلب، ﴿ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ﴾ هم الملائكة صرفوا وجوهَ الكفار وأبصارَهم عن أن يروه، أو أيده بالملائكة يوم بدر والأحزاب وحنين، ﴿ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى ﴾ أى دعوتَهم إلى الكفر، ﴿ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِىَ الْعُلْيَا ﴾ دعوتُه إلى الإسلام كانت ولم تزل عاليةً، ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* ﴾ يُعِزُّ بنصره أهلَ كلمتِه ويُذِلُّ أهلَ الشرك بحكمته.

وكان المهاجرون والأنصار يفِدون إلى قُباء، وهو موضع بئر على ثلاثة أميال من المدينة، ينتظرون قدومَ رسول الله ﷺ. وبعد ثمانية أيام وصل الرسول ﷺ ومرافقوه فى يوم الاثنين لثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وجاء المسلمون يسلمون عليه. ولحقه علىُّ بن أبى طالب، وكان تأخر ثلاثَ ليال لرد الودائع التى كانت عند المصطفى ﷺ لأهلها، ثم طلع رسول الله ﷺ من بين أظهرهم، فركب راحلته ومشَوا حولها، فأدركته الجمعة فى بنى سالم بن عوف فصلاها، ثم ارتحل المصطفى ﷺ قاصدًا المدينة، فأقام بدار أبى أيوبَ حتى ابتنى مسجدَه الواسعَ بعد شرائه أرضه، ثم بنى حوله مساكنَ لأهله، وبنى أصحابُه من المهاجرين والأنصار مساكنَهم حواليه فى كنفه.

أقول قولىَ هذا وأستغفر اللهَ لى ولكم.